الجمعة 01-مايو-2026 - 14 ذو القعدة ، 1447
الخطر الأمريكي في الماضي والحاضر
التعريف بالخطبة:
في هذه الخطبة التاريخية، يكشف الشيخ أحمد القطان
-رحمه الله- عن الوجه الحقيقي للسياسة الأمريكية وتاريخها الدموي، محذراً من
الانخداع بشعاراتها الزائفة، ومستعرضاً جرائمها بحق الشعوب المستضعفة، لا سيما في
فلسطين ولبنان، داعياً الأمة إلى العودة الصادقة إلى الله ونبذ التبعية للغرب والشرق،
ومؤكداً أن النصر والعزة لا يكونان إلا بالتمسك بالدين الحنيف.
عناصر الخطبة:
أمريكا.. تاريخٌ كُتب بالدماء!
- الوجه القبيح للحضارة الزائفة.
- "إسرائيل" الخنجر الأمريكي في قلب الأمة.
- التآمر على فلسطين والجهاد الأفغاني.
- هل تُعجز أمريكا ربّ العالمين؟
- آية من آيات الله في بيروت (تفجير المارينز).
- رسالة إلى الداخل: الجريمة وعلاجها الرباني.
- الدين.. صمام الأمان الوحيد.
المقدمة
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونستهديه
ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له،
ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً
عبده ورسوله.
أما بعد...
فإن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم،
وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
عباد الله..
أوصيكم ونفسي بتقوى الله، حيث أمرنا في كتاب الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ
اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾
[آل عمران: 102].
وأعطانا الله الأمان النفسي، والأمان المعيشي في التقوى؛ ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل
لَّهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: 2-3].
اللهم يا مدمر القياصرة، ويا مبيد الأكاسرة، ويا
مهلك الطواغيت، يا من لا يرد أمرك، ولا يهزم جندك، سبحانك وبحمدك، لك ملك السماوات
والأرض، الطواغيت أمامك أذلاء، ناكسو رؤوسهم عند ربهم.
اللهم لا يعلم جنودك إلا أنت، ولله جنود السماوات والأرض، وما يعلم
جنود ربك إلا هو.
اللهم إنا نسألك نصرك المؤزر المبين، لجندك وأوليائك المجاهدين، في كل
أرض يذكر فيها اسم الله، وأن ترينا في أعدائك يوماً أسودا، كيوم فرعون وهامان
وقارون، وكيوم التفجير على أرض لبنان.
اللهم أرنا فيهم عجائب قدرتك، اللهم خذهم أخذ
عزيز مقتدر، اللهم جمد الدماء في عروقهم، اللهم نكس أعلامهم، اللهم اهزم جيوشهم،
اللهم أغرق وأوبق حاملات طائراتهم، اللهم اقصف ودمر أقمارهم الصناعية، اللهم اخسف
الأرض بقواعدهم العسكرية، اللهم ادحرهم بجنودك التي لا تُرى، اللهم زعزع أمنهم
بالرعب، اللهم خذهم بقوتك وقدرتك لا إله إلا أنت، أنت الملك الواحد، أنت القهار
الواحد الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد.
أمريكا.. تاريخٌ كُتب بالدماء!
أيها الأحباب الكرام:
منذ مائتي عام جاءت عصابات من المجرمين والسفاحين
وقاطعي الطرق إلى أرض أمريكا، إلى أرض كان يسكنها أناس آمنون وادعون، أطلقت عليها
العصابات المجرمة القادمة من أوروبا بالهنود الحُمر، تمييزاً بينهم وبين الرجل
الأبيض المجرم، وشنوا حملات جماعية لإبادة سكان الأرض الأصليين، واستأصلوهم عن
بكرة أبيهم، وشكّل الأمريكان من سلالات المجرمين دولتهم على بحار من الدماء
والأشلاء والإجرام، فكان تاريخاً مبتوتاً مقطوعاً لا يحمل الشرف، ولا يحمل
الكرامة، إنما يحمل الاستعمار والدماء، والظلم والكبر والاستبداد.
الوجه القبيح للحضارة الزائفة
ثم وضعوا لأنفسهم قوانين استخلصوها من الإجرام،
يرفعون من خلالها شعارات براقة؛ الإخوة، والعدالة، والمساواة، وإذا هي أخوة الرجل
الأبيض وعدالته ومساواته، أما الزنوج السود، المسلمون غالباً، الذين سرقوهم من
أفريقيا، من بين أحضان آبائهم وأمهاتهم، وجاؤوا بهم إلى بلادهم ليعبّدوهم ويحرثوا
لهم الأرض.
كانوا يكتبون في مطاعمهم الراقية «لا يجوز إدخال
الكلب، والزنجي الأسود»، وكان الأسود لا يستطيع الدخول في الجامعات، أو المدارس
التي فيها البيض، أصحاب الدم الأزرق الممتاز، ولا يستطيع الزنجي أن يجلس على كرسي
في مقعد الدراسة مع الأبيض الأمريكي؛ مما جعل الزنوج يلتفون حول أنفسهم، وألفوا
أول رواية تاريخية تعبّر عن الظلم المستمر عليهم، وأسموها «الجذور».
ومن شاهد فيلم «الجذور» يعرف حقيقة الاستعمار والاستبداد والقهر، الذي
عانى منه أولئك المساكين.
هذا هو وجه أمريكا الحضاري، الذي تفتخر به على الناس.
ثم، من الذي يدخل في بلاد الناس الآمنة، ذات
السيادة، تدخلاً عسكرياً، كما فعلوا في العدوان الثلاثي على مصر، وكما دخلوا في
كثير من البلاد؟ وآخر الأخبار تصلنا هذه الأيام باجتياحهم جزيرة من الجزر، لا تمد
إلى معسكرهم بصلة، وضربوا بجميع الأعراف الدولية عرض الجدار، تلك الأعراف التي
وقعوا عليها واعترفوا بها أمام مصلحتهم وكبرهم واستبدادهم لا يبالون.
"إسرائيل"... الخنجر الأمريكي في قلب الأمة
من الذي وطدّ لـ«إسرائيل» بعد إنجلترا على أرض
فلسطين؟ فأمدها بالسلاح، حتى تمت هزيمة حزيران سنة سبع وستين فأذاقوا بالسلاح
الأمريكي النتن العرب والمسلمين ذل العار والهزيمة؟
من الذي يمد «إسرائيل» بجميع المبتكرات والمخترعات والتجهيزات العلمية
الحديثة؟
من الذي يقدم لـ«إسرائيل» صفقات الطائرات والهدايا والميزانيات
العسكرية الهائلة والخبرات المستمرة التي لا تنقطع، ويعلنون ذلك جهاراً نهاراً،
أمام الناس؟
إنها أمريكا.. هي التي أوجدت تلك الأنظمة العميلة
الجاثمة على قلب وكبد الأمة العربية والإسلامية، الأنظمة التي تمدها وتعينها، كما
كان يقول سيد قطب، رحمة الله عليه، وهو يفسر أول ثلاث آيات من سورة «الأنعام»،
يقول: «إن الاستعمار والصليبية لما عجزت عن أن تقتل هذا الدين وتنحرف به، أوجدت
أنظمة عميلة، تدور في فلكها وتسبّح بحمدها، جاثمة على كبد الأمة، ثم تفتعل خلافات
جانبية بين هذه الأنظمة، حتى تظهر أمام الناس أنها متعادية متحاربة، وقد تعلن هذه
الأنظمة بإذاعاتها وصحفها الحرب على أمريكا، فيُخدع الناس، وتُضلل الشعوب.
ثم إذا وجد هناك طائفة من الناس ذكية لا تمر
عليها تلك الألاعيب، والمسرحيات المسماة بالخلافات والحروب، بين تلك الأنظمة،
تقدمت أمريكا بإيعاز من وكالة المخابرات الأمريكية، وتنفيذاً على أيدي عملائها
العرب من حكام العرب ويهود العرب، لكي يبيدوا هذه الطائفة المؤمنة المسلمة التي
تقول ربي الله؛ ﴿وَمَا
نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾
[البروج: 8]».
يفتحون لهم السجون والمعتقلات، وأرض مصر شاهدة بترابها، ودماء
أبنائها، ما فعل بها الطواغيت العملاء لأمريكا والبيت الأبيض.
أيها الإخوة..
هكذا تفعل أمريكا بنا ونحن ننظر هذه الأنظمة هجرت البيت العتيق، هجرت
البيت الحرام، وذهبت تطوف حول البيت الأبيض، تتمسح به، وتركع وتخضع إليه.
هذه الأنظمة هي التي حتى هذه الساعة تتآمر على ديننا، وعلى مقدراتنا،
وعلى قضايانا المصيرية، هذه الأنظمة هي التي تسوم البلاد والعباد سوء العذاب.
ثم، يقدر الله جل ثناؤه على يد بطل من أبطال مصر،
خالد الإسلام بولي، لكي يلقن أمريكا وعملاءها درساً لا يُنسى، يوم أن تقدم البطل
إلى أنور اليهود، الذي هجر القرآن وعبد الصليب والتلمود، فأرداه برصاص إسلامي
مكبر، فكانت رسالة تصطك في أذن كارتر، وريجان.
كارتر ذو الوجه الأصفر، الذي ولّى مدبراً بانتخاباته، بعد أن خلّف
تاريخاً أسود من المؤامرات.
وريجان الذي لا يظهر في الصحف إلا بحركات سينمائية مضحكة.
فالحمد لله، الحمد لله الذي أرانا وجهه الكالح على الصحف، وهو كئيب
حزين، بعد تفجير مقر القوات الأمريكية في لبنان.
التآمر على فلسطين والجهاد الأفغاني
أيها الإخوة..
هذه هي أمريكا التي تآمرت على الحركة الفلسطينية، وعلى الشعب
الفلسطيني، فذُبح على أرض الأردن بأيدي مسلمة، بأرحام مسلمة، وبسلاح مسلم، بأموال
مسلمة، يُذبح الإسلام باسم الإسلام.
هذه أمريكا التي تعقد مؤتمر «كامب ديفيد» لتأصيل اليهود في فلسطين،
ولضم الحكومات العربية وشعوبها إليه، ليرفعوا راية السلام والاستسلام مع أعداء
الإنسانية، مع اليهود، أحفاد القردة والخنازير.
هذه هي أمريكا التي تأتي بقواتها في مناورات «النجم الساطع» لتدوس
بأحذية الجنود القذرة الملطخة بالتاريخ الأسود أرض مصر المسلمة، لتدوس على الجزيرة
العربية في عُمان.
«النجم الساطع» بالأمس، و«الدينار اللامع» اليوم،
«النجم الساطع» بالأمس في مصر وعُمان في الجزيرة، و«الدينار اللامع» في الكويت،
بزيارة رونالد ريجان، وزير الخزانة الأمريكي، الذي جاء يعبّر عن عجز خزانته،
وتفليسها من الأموال، كما أفلست من القيم والأخلاق، جاء إلى هنا لكي يغطي عورات
خزناته بأموالنا، بأموال المنطقة، منطقة الخليج الثرية، التي تسيل لعاب أمريكا من
أجلها.
نعم، إنهم يخططون لميزانية عام 1985م، ولكن على حساب أموالنا نحن، ما
كفاهم يمتصون خيراتنا النفطية من الذهب الأسود، ما كفاهم يمتصون الأعراض والأرض،
وجاؤوا الآن يخططون على الأموال ليسحبوها.
وهم الذين حجّروا ومنعوا الأموال التي كانت
لإيران في بنوكهم، وظهرت أول بادرة خطيرة لمن يثق بأمريكا، فيضع أمواله في بنوكها
وتحت تصرفها، وقد قال وزير الخزانة في الصحف اليوم: إننا ما اتخذنا هذا القرار
بتجميد أموال إيران إلا لظروف طارئة.
ومن سيحدد هذه الظروف في المستقبل؟! هذه الظروف الطارئة من الذي
سيحددها غيركم؟ يوم أن تأخذوا أموالنا، وتتحكموا في رقابنا عن طريق أموالنا!
لا.. لا حياك الله في أرضنا، لا حياك الله في بلادنا، يا من تحمل اسم
رئيسك، الاسم الذي جعل اليتامى والأرامل والشباب الحيارى على أرض لبنان يستنشقون
الدموع والرماد والدماء، اغرب واذهب عن منطقة الخليج، وعد إلى خزانتك الخاوية،
وابحث عن طريق آخر.
إنها أمريكا ذات القواعد العسكرية على أرض
الجزيرة المحرمة، حرمها رسول الله صلى الله عليه وسلم: [لا يجتمع دينان في جزيرة العرب].
نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأتي النصارى أو الكفرة إلى
جزيرة العرب فيستقرون، والآن تنصب لهم القواعد العسكرية بطوق خطير على أرض
الجزيرة، وبأموالنا، وبأنفاس هذه الحكومات.
ثم، أمريكا هي التي ذبحت الشعب الفلسطيني باليد
اليهودية بالسلاح الأمريكي، على أرض فلسطين، وعلى أرض لبنان، ولا ننس قصف بيروت
بالسلاح الأمريكي والطائرات الأمريكية.
هل ننسى القنابل الفراغية التي أُلقيت على العمارات الآمنة من
المدنيين؟ لا والله لا ننساها، لا أنسى تلك المقابلة الحزينة التي استمعت إليها من
رجل واحد نجا من عمارة كان يسكنها 220 نفساً، ذهبوا كلهم بطرفة عين.
يقول هذا الرجل: لقد كنت واقفاً في أحد الطوابق، وإذا بي فجأة أجد
نفسي معلقاً على قضيب من حديد، ثم أجد نفسي في المستشفى، فلما وصلتني الأخبار،
وإذا 22 فرداً من عائلتي قد ذهبوا ميتين، منهم ابنتي عروسة، كنت احتفلت بعرسها منذ
يومين، ذهبت هي وزجها وبنياتي وأولادي وزوجتي وأبوي وأرحامي كلهم ذهبوا.
لقد كنا نسمع عن الحروب، أنها تدور على حدود إطلاق النار والخط
الساخن، وما كنا نظن أن تصل بالحروب الظالمة المجرمة أن يُقصف الآمنون بقنابل
فراغية وهم في بيوتهم نائمون.
على أنفاس من حدث هذا؟
حتى امتزجت الدماء بالحديد والإسمنت والنار والبارود، وخرج الأطفال
يجرون إلى الشوارع حائرة أعينهم، شاحبة وجوههم بأنفاس أمريكا المجرمة، القاتلة.
ثم، من الذي أعطى لـ«إسرائيل» الضوء الأخضر حتى
تعبر طائرات أمريكا يقودها اليهود على أجواء ثلاث دول عربية لتقصف المفاعل الذري
العراقي في وضح النهار والشمس طالعة، وكأن اليهود يقولون: على شرف النخب الأمريكي،
والكأس الأمريكي، نحن أسياد الجو العربي نصول ونجول كما نريد لا يمنعنا مانع؟
إنها أمريكا، أيها الإخوة، أمريكا كيسنجر اليهودي
المتآمر، أمريكا هيج الذي دمر لبنان، أمريكا فليب حبيب، لا أحبه الله، الذي خدع
ياسر عرفات والمنظمة ومزق الفلسطينيين كما مُزّقت سبأ على وجه الأرض.
أمريكا المجرمة التي لا تزال تتآمر علينا، والتي تآمرت على الجهاد
الأفغاني المسلم الحر الأبي الصادق البطل.
لا ننسى التغطيات الإعلامية الآثمة لجميع وكالات الأنباء والصحف وهي
تظهر صورة ريجان وهو يحتضن الفتاة الأفغانية، اختاروا لها فتاة أفغانية لأحد زعماء
مشايخ الطرق الصوفية، يحتضنها ريجان بحركات سينمائية، وتنشرها الصحف، ويُكتب
تحتها: «مجاهدة أفغانية يحتضنها الرئيس ريجان».
لا ننسى وهم يشوهون الجهاد الأفغاني الحر، وهم يظهرون المقابلة لرئيس
الوزراء، والمقابلة لرئيس الدولة مع طرق ومشايخ الطرق الصوفية، ذوي اللحى والعمائم
المزيفة، وهم يلتقون مع النظام الأمريكي، ويدّعون أنهم يمثّلون الجهاد الأفغاني
المسلم الصادق، مما جعل الأقلام التي تصطاد في الماء العكر تتهم الجهاد الأفغاني
حتى هذه الساعة أنه إسلام أمريكي!
هل تُعجز أمريكا ربّ العالمين؟!
نعم، إنها أمريكا التي تمد أذرعها الظالمة الآثمة
لكي تشوه الدين، والأخلاق، وتنتهب الحريات، والكرامات، ولكن أين هي من الله؟ أين
هي من الله؟ الذي يقول في كتابه الكريم: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجَرِمِيهَا
لِيَمْكُرُواْ فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلاَّ بِأَنفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾
[الأنعام: 123].
أين يذهبون من الله الذي يقول في كتابه الكريم عن أمريكا وأمثال
أمريكا: ﴿وَمَا أَنتُم
بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاء﴾ [العنكبوت: 22].
والله يا إخوة، وأنا أقرأ هذه الآية ما خطر في
بالي أن الله سيذكر في كتابه الكريم سيطرة هؤلاء وأمثالهم على الأجواء، ولكن لما
علمت أن لهم آلافاً من الأقمار الصناعية يرصدون بها أنفاس الناس، حتى إنهم
يستطيعون قراءة عنوان الجريدة وهي تدور على وجه الأرض، علمت أن الله سبحانه وتعالى
يوم أن قال: ﴿وَمَا أَنتُم
بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاء﴾ بأقماركم الصناعية
وبحاملات الطائرات في البحار، وفي الغواصات في المحيطات، وفي قواعد الصواريخ
العابرة للقارات، يقول الله لأمريكا وروسيا، سواء بسواء: ﴿وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي
السَّمَاء وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ [العنكبوت:
22].
آية من آيات الله في بيروت (تفجير المارينز)
وسنرى آية واحدة من آيات الله تحققت، في الأسبوع
الماضي، في يوم الأحد الثالث والعشرين من أكتوبر سنة ثلاث وثمانين آية من آيات
الله تحققت في قوله: ﴿وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾.
كانت القوات الأمريكية والفرنسية في ليلة الأحد، ليلة عيدهم، عراة،
حفاة، تمازجت أجسادهم بأجساد البغايا، ودخان المخدرات وأصوات الموسيقى تقصف إلى
الفجر، والخمور تدور والرؤوس تدور، على أمل إذا طلع النهار ينامون نوماً هادئاً،
بعد سهر أحمر أثيم، ولم يعلموا أنها نومة الأبد، إنها نومة في جهنم وبئس القرار.
ففي فجر ذلك اليوم، تقدمت شاحنتان مملوءتان
بالمتفجرات (طن من المتفجرات في كل واحدة)، ما وصلت أمام تلك الحواجز بحولها
وطولها، إنما إذا وقع القدر عمي البصر، وجاءت هذه الشاحنات تجتاز الطرق، حتى دلفت
في هذه المقرات؛ مقر القوات والفرنسية، التي قال زعيمها يوم أن دخل دمشق في حروبهم
الاستعمارية، وقد داس على قبر صلاح الدين، قال وهو يركله: ها نحن قد عدنا من جديد
يا صلاح الدين!
دخلت الشاحنتان، يقول قائد القوات الأمريكية: وقد كنت على السطح، وإذا
بي أرى الشاحنة وصاحبها يبتسم إليَّ ويؤشر، ثم دخل، وتم الانفجار، أخذ الله
القواعد من تحت، فخرت الطوابق من فوق، وامتزجت لحومهم بالإسمنت والحديد، وما كان
أحد يظن أن وكالة المخابرات الأمريكية التي أصبح الناس يعبدونها من دون الله، ما
من أمر إلا ويقولون: وراءه المخابرات الأمريكية.. ما كان أحد يظن أن هذه المخابرات
أمام هذا التفجير ستعم وتعمى، وتصم وتبكم، حتى ينفذ الله فيها قدره.
إنه الله القادر على كل شيء، لا المخابرات
الأمريكية القادرة على كل شيء، هذه حقيقة يجب أن نعتقد بها، وأن نعلمها أيها
الأحباب.
ونُسف المقر ودُكّ، وقائدهم يقول: أرى نفسي أهبط من أعلى العمارات إلى
أسفلها، ثم انتهى كل شيء.. دماء تجري.. أيادٍ مبتورة.. أجساد تتلبط مقطوعة، ثم فاح
نتنهم بعد يوم، والقتلى يقارب من 227 قتيلاً، و97 أو يزيد من الفرنسيين.. الحمد
الذي بنعمته تتم الصالحات.
وما كان أحد يظن أن قلب الأم الأمريكية التي جاءت
بولدها عن طريق الزنى أنها ستحزن يوماً كما حزنت الأم الفلسطينية، كما حزنت الأم
اللبنانية، كما حزنت الأم المصرية، كما حزنت الأم العربية المسلمة.
ما كان أحد يظن أن يرى دموعاً تنهمر من النوع الأمريكي، ولكنه الله،
الله رب العالمين، الذي يقول في كتابه الكريم لهؤلاء المستكبرين: ﴿قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن
قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللّهُ بُنْيَانَهُم مِّنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ
السَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ
(26) ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُخْزِيهِمْ وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَآئِيَ
الَّذِينَ كُنتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ قَالَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ إِنَّ
الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالْسُّوءَ عَلَى الْكَافِرِينَ (27) الَّذِينَ
تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ فَأَلْقَوُاْ السَّلَمَ مَا
كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ بَلَى إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ
(28) فَادْخُلُواْ أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى
الْمُتَكَبِّرِينَ﴾ [النحل: 26-29].
إنه الله رب العالمين، الله الذي له ملك السماوات
والأرض، والذي يقول في كتابه: ﴿وَكَذَلِكَ
نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾ [الأنعام:
129].
اللهم أرنا في أعدائك وأعداء دينك يوماً أسود، اللهم مزيداً من
تدميرهم، اللهم مزيداً من أخذهم، اللهم مزيداً من قصفهم، اللهم إنهم لا يعجزونك،
اللهم ثقة بحكمك، اللهم ثقة بعلمك، اللهم ثقة بعدلك، اللهم ثقة بانتقامك، احكم
بيننا وبينهم بالحق وأنت خير الحاكمين.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه،
إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية:
الحمد لله رب العالمين، ولا عدوان إلا على
الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله،
بلَّغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح لهذه الأمة.
اللهم لا تفتنَّا بعده، اللهم أورثنا حوضه، اللهم اسقنا من يده
الشريفة شربة هنيئة باردة لا نظمأ بعدها أبداً.
اللهم إنا نسألك الصلاة في المسجد الأقصى، غير خائفين ولا وجلين.
اللهم إنا نسألك الصلاة في المسجد الأقصى، على جيوش عربية إسلامية،
شعارها: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر.. أنت ولي ذلك والقادر عليه.
رسالة إلى الداخل: الجريمة وعلاجها الرباني
أما بعد، أيها الأحباب الكرام..
وكما قرأتم وسمعتم، عن الجرائم الثلاث التي روّعت هذا المجتمع الآمن،
ثلاثة قتلى ضحايا أبرياء، أُطلقت عليهم النار في وضح النهار، من أجل حفنة من
الدنانير، ومع الأسف الشديد، إذ لم يتمكن رجال الأمن من إلقاء القبض على المجرم
عند أول جريمة، أو قبل أن يرتكب جريمته، مما يؤكد أن الأمر لله أولاً وأخيراً.
وكم ذكّرت على هذا المنبر، أن يتواضع المسؤولون
لله ويتصالحوا مع الله، وأن يحرموا الربا مصدر الشرور، وأن يحاربوا الفتن والإجرام
ومصادر الجريمة، والزنى والخمور والخلاعة والدعارة، وألا تصبح بلادنا موطئاً لكل
أفاك أثيم، وأسأل الله أن يشرح قلوب المسؤولين إلى ذلك.
في أسبوع واحد تُزهق 3 أنفس، ولم تكن حصيلة هذا الإجرام إلا 2150 د.ك،
3 أنفس تقتل مقابل هذا المبلغ الزهيد.
أيها الإخوة الكرام..
أصبح الإنسان لا يأمن على نفسه، ما دام الناس لم يعودوا إلى الله، لأن
صمام الأمان بيد الله لا بيد أحد.
أعود فأقول: إن هذه البلاد الآمنة، لا أزال أعتبرها آمنة، وأزال أقول:
إن الله ينذرنا بين الحين والحين، لنعود إليه، فإلى الله ترجع الأمور، لا إلى
أمريكا ولا إلى روسيا، وأن إصلاح هذا الشعب بالدين، كما قال المسؤول في «الداخلية»
في التلفاز، الأخ سعيد، أسعده الله في الدنيا والآخرة في المقابلة التي أجريت معه،
قال: لا صلاح للنشء والأجيال ولأهل هذا البلد إلا بالدين والتربية الإسلامية، ولم
أتمالك أمام هذا التصريح الذي صرح به وهو مسؤول في «الداخلية»، في المقابلة التي
أجريت معه في قضية المخدرات، لا أملك إلا أن أرسل له بطاقة شكر، وأسأل الله أن
يكثر من أمثاله الصالحين.
الدين.. صمام الأمان الوحيد
في زمان أصبح الناس يغطون رؤوسهم ويعتبرون الدين
عاراً، في زمان أصبح الناس يضعون رؤوسهم في التراب، ويرفعونها من أجل لينين،
وستالين، وماركس، وجيفارا، وريجان، وبيغن، أما من أجل محمد صلى الله عليه وسلم، أو
من أجل الله رب العالمين، فلا يرفعونها أبداً.
نعم.. بالدين تصلح الأمة.. بالدين تصلح الرعية..
بالدين توفر الدولة على أنفسها مليارات من الدنانير تنفقها على رجال المخابرات..
بالدين استطاع الدعاة أن يدخلوا إلى سجون أمريكا، على السود المتمردين، ويحولوهم
أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين، حتى قال مديرو السجون في أمريكا لإخواننا
الدعاة هناك: ماذا فعلتم بهم؟ هل سحرتموهم، أم غيرتم عقولهم، أم غسلتم أدمغتهم؟
هذا العملاق الزنجي الفحل، الذي طوله متران، كيف تحول إلى راكع ساجد رقيق متواضع.
ولم يعلموا أنه إذا خالطت بشاشة الإيمان أعماق القلوب تحول الإنسان
إلى هيّن سهل رحيم، يوم أن يقف بين يدي أرأف الراحمين، يركع له ويصلي لله رب
العالمين.
إنهم لا يعرفون هذه الحقيقة، إنما يعرفون الأرقام، والحسابات،
والتقارير، والمقدمات، والنتائج، والكمبيوتر، يعلمون هذا فقط، ولا يعلمون أن
القلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها حيث يشاء.
أما القلوب المجرمة لا تصبح مؤمنة إلا بالدين؛
لهذا رحمة بهذا البلد، وبمسؤوليه، وبكل مسلم أو مواطن بعيد أو قريب، رحمة بهم
أقول: عودوا إلى الله، اصطلحوا مع الله، احكموا بكتاب الله، حرّموا ما حرّم الله،
أحلّوا ما أحل الله، احجزوا بين النساء والرجال في العلم، حُشرت الوزارات بقطيع من
النساء، احجزوا بينهم قبل أن ينتقم الله منّا فيدمرنا، احجزوا بينهم، بين الذكور
والإناث، احجزوا بينهم في الجامعات، في المحلات، في الوزارات، قبل أن ينزل علينا
غضب الله وسخطه.
مؤسسات ربوية.. خمور وغناء وموسيقى وزمور وبلاء بعد بلاء.. ولا يزال
الله يصب الخير على هذا البلد صباً.. يأكلون فاكهة الصيف في الشتاء، وفاكهة الشتاء
في الصيف، ولكن الله الذي يقول في كتابه: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ
إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود: 102].
الدعاء
اللهم ربنا لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا،
اللهم ربنا لا تعاملنا بما نحن أهله، وعاملنا بما أنت أهله، أنت أهل التقوى وأهل
المغفرة.
اللهم إنا نسألك لأمة محمد قائداً ربانياً، يسمع كلام الله ويسمعها،
وينقاد إلى الله ويقودها، ويحكم بكتاب الله وتحرسه، لا يطوف بالبيت الأبيض، ولا
يخضع للبيت الأحمر، إنما يطوف ببيت الله العتيق، وقدوته في مسجد محمد صلى الله
عليه وسلم، وقيادته في المسجد الأقصى، مسرى الحبيب محمد، ومهبط عيسى عليه السلام،
ومرقد الخليل إبراهيم.
اللهم انصرنا ولا تنصر علينا، وامكر لنا ولا تمكر علينا، واهدنا ويسر
الهدى لنا، وانصرنا على من بغى علينا.
اللهم من أراد بنا وبهذا البلد وسائر بلاد المسلمين سوءاً فأشغله في
نفسه، ومن كادنا فكده، واجعل تدميره في تدبيره، اللهم أنت ملاذنا ومعاذنا، ونصيرنا
وظهيرنا، وحسبنا ومولانا، بك نجول وبك نصول، وبك نحاول وبك نطاول، ندرأ بك اللهم
في نحور أعدائنا، ونعوذ بك اللهم من شرورهم.
اللهم منزل الكتاب ومجري الحساب وهازم الأحزاب، اهزم هذه الأحزاب
الظالمة بقائد رباني يسمع كلامك يا أرحم الراحمين، يا رب العالمين.
اللهم احرسنا بعينك التي لا تنام، واحفظنا بركنك الذي لا يرام،
وارحمنا بقدرتك علينا، ولا نهلك وأنت رجاؤنا يا أرحم الراحمين.
اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم اسقنا الغيث ولا
تجعلنا من القانطين.
اللهم أنت الغني ونحن الفقراء، اللهم اجعله رزق إيمان وعطاء إيمان، إن
عطاءك لم يكن محظوراً.
اللهم أنبت في أرضنا زينتها ومرعاها، اللهم ارفع الداء، والبلاء
والوباء والغلاء.
اللهم اجعله عاماً علينا وحوالينا، يا أرحم الراحمين.
اللهم إنا نسألك الجنة، ونعوذ بك من النار.
إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء
والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون.
اذكروا الله يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله
يعلم ما تصنعون.
اقرأ أيضا:
التآمر الصليبي على الإسلام
التآمر على الإسلام
التآمر علي فلسطين
الشباب المسلم في أمريكا