الجمعة 01-مايو-2026 - 14 ذو القعدة ، 1447
الشباب المسلم في أمريكا
الشباب المسلم في أمريكا
التعريف
بالخطبة
تحدث الشيخ عن
أحوال الشباب المسلم في أمريكا وأوروبا، من خلال تجربته الشخصية أثناء سفره لحضور
مؤتمرات إسلامية هناك. وقد سلط الضوء على معاناة الشباب المسلم في بيئات غربية
مليئة بالمغريات والفتن، خاصة الانحلال الأخلاقي، والغربة، والوساوس، والفراغ
الروحي، مقابل نماذج مشرقة من شباب ثبتوا على دينهم، وتمسكوا بهويتهم الإسلامية
رغم الظروف الصعبة.
عناصر
الخطبة:
رحـلـــة الإيــمـان
من أمــريــكــا إلـــى لـندن
من معيشة الضنك الأمريكية إلى جنة الإيمان
قصــص الغــرقــى فــي زمــن
الــفتــن
نداء عاجل إلى الأباء:
أبناؤكم في بحر متلاطم
من صـــمت حمــــاة إلــــى
ذبــح طــرابـــلس
لمــاذا يخــافــون من مصر والشــام تــحديدا؟
نص
الخطبة:
إن الحمد لله،
نحمده ونستعينه، ونستهديه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا،
من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا
شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد:
فإن أصدق الحديث
كلام الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل
محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار
عباد الله:
أوصيكم ونفسي
بتقوى الله، حيث أمرنا في كتابه الكريم: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ
وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ) (آل عمران: 102)
وقال سبحانه:
وهو يعطينا الأمن المعيشي والأمن النفسي:
(وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ
يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً {2} وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ) (الطلاق)
اللهم إنا نعوذ
بك أن نضل في هداك، أو نذل في سلطانك، أو نضطهد أو نقهر أو نغتال والأمر إليك
وحدك، اللهم اجعلنا في ضمانك وأمانك وبرك وإحسانك
احرسنا بعينك التي لا تنام، واحفظنا
بركنك الذي لا يرام، وارحمنا بقدرتك علينا، ولا نهلك وأنت رجاؤنا يا أرحم الراحمين
اللهم من أراد
بنا سوءاً فأشغله في نفسه، ومن كادنا فكده، واجعل تدميره في تدبيره
اللهم أنت
ملاذنا، وأنت معاذنا، وأنت نصيرنا، وأنت حسبنا، وأنت مولانا، فنعم المولى ونعم
النصير، بك نجول، وبك نصول، وبك نقاتل، وبك نطاول، ندرأ بك في نحور أعدائنا، ونعوذ
بك من شرورهم
اللهم لا تكلنا
إلى أنفسنا فنعجز، ولا إلى الناس فنضيع، انصرنا ولا تنصر علينا، وامكر لنا ولا
تمكر علينا، واهدنا ويسر الهدى لنا، وانصرنا على من بغى علينا.
رحلة الإيمان من أمريكا إلى لندن
أيها
الأحبة الكرام البررة:
أحمد إليكم الله
الذي لا إله إلا هو الواحد الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً
أحد، الذي جمع بين قلوبنا، وبين أرواحنا، وأقر عيوننا، برؤية بعضنا تحت راية
الإسلام وإخوة الإيمان.
الحمد لله الذي
بنعمته تتم الصالحات، وجئتكم من سفري، أحمل ذكريات مع إخوة في الله هناك، في
أمريكا، وفي أرض الإنجليز، أرض الكفر والنصرانية، تجد الشباب المسلم كالوردة
البيضاء في أعماق الصحراء، تعصف بها الرياح، فتحميها، ولكنها لا تكسرها؛ (يُثَبِّتُ اللّهُ
الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي
الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللّهُ مَا يَشَاءُ)
(إبراهيم: 27)
يثبتهم في
الحياة الدنيا، لإخوة لهم يأتونهم، كي يزورونهم
أيها
الأحبة:
ظهرت إشاعات
كثيرة في سفري، ولكنني لا أقول إلا قوله سبحانه:
(قُل لَّن يُصِيبَنَا
إِلاَّ مَا كَتَبَ اللّهُ لَنَا هُوَ مَوْلاَنَا وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ
الْمُؤْمِنُونَ) (التوبة:(
51)
وقول الحبيب
المحبوب صلى الله عليه وسلم: احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ،
إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللَّهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ،
وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لَوْ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ
لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ، وَلَوْ اجْتَمَعُوا
عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ
اللَّهُ عَلَيْكَ، رُفِعَتْ الْأَقْلَامُ وَجَفَّتْ الصُّحُف. {رواه
الترمذي}
أيها
الأحبة:
للــخير أهــل، لا تـــزال وجوهــهم تدعو إليه
طوبى لمن جرت الأمور الصالحات على يديه
ما لم يضق خلـــق الفتى فالأرض واسعة عليه
إن الذين
يحبونني في الله لأحسّ بهم في أعماق قلبي، وأسأل الله أن يحشرني وإياهم تحت ظل
عرشه، يوم لا ظل إلا ظله.
سافرت إلى
أمريكا لحضور مؤتمرين إسلاميين، المؤتمر الأول لرابطة الشباب العربي المسلم،
والمؤتمر الثاني لاتحاد طلبة الكويت
وقد رافقني في
سفري أخ، فكان نعم الأخ ونعم الصاحب، أذكر له جميل رفقته
فتى مثل صفو
الماء، أما لقاؤه فبشر وأما وعده فجميل
أما لسانه فعفو
وأما طرفه فكليل طرفه عن الحرام كليل، وما أكثر الحرام هناك
أيها
الأحبة:
وما الــمرء إلا بإخــوانه
كما تقبض الكف بالمعصــم
ولا خير بالكف مقطوعة ولا
خير في الساعد الأجزم
أنـا بكــم وأنتــم بي ونـحن
جمـيعاً بالله رب العالمـين
ولــولا الله مــا
اهـتــدينــا ولا تــصدقـــنا ولا صـلـينا
فـــأنـزلــن سكـينة علــينا
وثبــت الأقــــدام إن لاقـــينا
وكما
يقول الشاعر عن قلوبنا:
إن القــلوب لأجـناد مجندة
لله
في الأرض بالأهواء تعترف
فما تعارف منها فـهو مؤتلـف
وما تنـاكر منها فهو مـخـتلف
وكما
يقول الحبيب المحبوب: الأرواح جنود مجندة،
فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف. {متفق عليه}
لهذا ندعوه:
اللهم ألّف على الخير قلوبنا، وأصلح ذات بيننا، واهدنا سبل السلام، ونجنا من
الظلمات إلى النور
انطلقت لعيادة
أخ لي في مستشفيات لندن، وقد كان معنا في الحج، كان مثالاً للقوة، قوة الإيمان،
وقوة الجسم، ولما عاد وإذا بنا نفاجأ به أنه أصيب بمرض عضال، لا ينقذه منه إلا
الله، وإذا بسرطان الدم يكسر دمه، ويعجز الطب عن علاجه، ويتقدم المحسنون يحملونه
بقلوبهم ليعالج في الخارج، فعقدت نيّة عيادته من الكويت؛ لأن
الحديث يقول: من عاد مريضاً أو زار أخاً له في الله ناداه مناد بأن طبت وطاب ممشاك
وتبوأت من الجنة منزلاً
{ رواه الترمذي} ويقول: من عاد مريضاً مصبحاً استغفر له سبعون ألف ملك حتى يمسي، ومن عاد
مريضاً ممسياً استغفر له سبعون ألف ملك حتى يصبح.{ الترمذي}
والحديث القدسي يقول: يا ابن آدم، مرضت ولم
تعدني، فقال: كيف أعودك وأنت رب العالمين؟ قال: لقد علمت أن عبدي فلاناً مرض، ولو
عدته لوجدتني عنده؟{ رواه مسلم}
دخلت عليه
المستشفى فإذا هو شاحب اللون، قد تساقط شعر رأسه ووجه، نحف حتى التصق الجلد على
العظم، فلما رآني كاد أن يقفز من السرير فرحاً،
والحديث يقول: أحب العبادة إلى الله إدخال
سرور على قلب مسلم { المعجم الكبير}، فدعوت له، وقرأت عليه، ورقيته بأحاديث
الرسول صلى الله عليه وسلم، فإذا بي أرى به يقيناً وإيماناً وثباتاً وصبراً
كالجبال الراسيات، والحمد لله، فهو في تقدم إن شاء الله إلى الشفاء ثم واصلت
مسيرتي إلى إخوتي هناك في أمريكا
من
معيشة الضنك الأمريكية إلى جنة الإيمان
وما أدراكم ما أمريكا، أما حالهم فكما يقول
الله: (إَنَّ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا وَرَضُواْ بِالْحَياةِ
الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّواْ بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ {7}
أُوْلَـئِكَ مَأْوَاهُمُ النُّارُ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ) (يونس)
وأما أجسامهم
ووجوههم فكما يقول سبحانه: (كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ) (المنافقون: 4)، لا حياة،
ولا حرارة، ولا نور، وإنما وجوه مجففة مظلمة بالذنوب والمعاصي والعياذ بالله
وأما معيشتهم،
فكما يقول الله: (وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً
وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى) (طه: 124)
وأما علمهم:
فكما يقول سبحانه: (يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ
الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ) (الروم: 7)، وكما يقول: (ذَلِكَ مَبْلَغُهُم
مِّنَ الْعِلْمِ) {النجم: 30}
وانتقلت من ذلك
العالم الغريب، إلى جنة الدنيا، إلى إخوتي في الله؛ (إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا
بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى {13} وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا
فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَن نَّدْعُوَ مِن دُونِهِ
إِلَهاً لَقَدْ قُلْنَا إِذاً شَطَطاً) (الكهف).
وحللت عليهم،
وعشت بينهم، فماذا رأيت؟ وماذا شاهدت؟
مؤتمر الرابطة
للعالم الإسلامي لطلبة العالم الإسلامي والعربي، حضره أربعة آلاف مسلم، وأكثر من
ألف امرأة، وكان مؤتمراً ناجحاً بفضل الله، عاش الجميع على اختلاف ألوانهم،
وأجناسهم، تحت مظلة الإسلام، وأخوة الإيمان، يتعاونون، ويتصافحون، شعارهم: «الابتسامة في وجه
أخيك صدقة»، و«الدعاء له بظهر الغيب»، حياة عشناها أربعة أيام، كأنها دقائق
أو ثوان، واستمعنا إلى المحاضرات، فجزى الله خيراً كل من شارك وساهم.
ثم انتقلت بعد
ذلك إلى المؤتمر الثاني بعده مباشرة، وهو مؤتمر اتحاد طلبة الكويت، وقد أحيا هذا
المؤتمر الأخ نائب رئيس مجلس الأمة أحمد السعدون، والأخ عبدالله فهد النفيسي،
وفضيلة الشيخ عمر الأشقر، والأخ إسماعيل الشطي، رئيس مجلة "المجتمع"
هؤلاء المحاضرون
التقوا بأولئك الشباب، في هذا البحر المتلاطم من الكفر، والانحلال الخُلقي، فكان
نزولهم كنزول الغيث على الأرض، والعافية على الجسد، فتراهم قليل نومهم، طويل
سهرهم، ملتصقين بالشباب، يجيبون عن أسئلتهم، ويعيشون مشكلاتهم
قصص الغرقى في زمن الفتن
ولله الفضل
والمنّة، فكم التقيت بأُناس غرقى، فقد جاءني شاب مسلم، يقول: يا أخي، سأبيح لك ما
في صدري، جئت إلى أمريكا وأنا لا أعرف من أمر الدنيا شيئاً، وإذا بالجنس يطاردني
في كل مكان، وظللت صامداً صابراً، ثم انهارت قواي، فوقعت في الفاحشة، وذهبت إلى
أهلي وطلبت منهم أن يزوجوني فرفضوا، وقالوا: حتى تتخرج، وما جئت إلى هذا المؤتمر
رغبة فيه، وإنما جئت لما أحسه من ألم الإثم، ومعاقبة الضمير، ولكي أغيّر ما أنا
فيه من قلق، وقد يئست من رحمة الله وترقرقت الدموع في عينيه، فمسحت على صدره،
وبيّنت له سعة رحمة الله ومغفرته، وقرأت عليه من الآيات والأحاديث، ودعوت له،
فبكى، وأخرج ما في نفسه، واستغفر وعاد إلى الله رب العالمين
وتقدم إليّ شاب
آخر، من هذا البلد، يقول: يا أخي، أنا متزوج، ولكنني لا يقر لي قرار، أحس أن
الشيطان على طرف لساني، والشيطان يقول لزوجتي: أنت طالق، أنت طالق، لا أستطيع أن
أتكلم بكلمة، إلا وسبقت هذه الكلمة على لساني دون إرادة وقصد، لهذا أنا بين فترة
وفترة أضع يدي على فمي، مخافة أن أتلفظ بها، كيف يستطيع الشيطان أن يتمكن مني
هكذا؟
وإني الآن أحسه
وأشعر به، فإذا كان عندك علاج أو حل أعطني إياه جزاك الله خيراً، فأنا أخاف أن
أقترب أهلي، أو أن أتكلم، أو أستيقظ مخافة أن يعود إليّ الشيطان بهذه الكلمة
نظرت إلى وجهه
وحاله، وإذا هو يرتجف، وقد اصفر لونه، فقلت له: يا أخي، اقرأ «الفاتحة»، و«آية
الكرسي»، و«المعوذتين»، ثم إذا أحسست بأن الشيطان على فمك يهمس بهذه الكلمة، فقل
مكانها: آمنت بالله، لا إله إلا الله، وبعد يومين عاد إليَّ، وقال: الحمد لله، لقد
ذهب عني الشيطان، وأصبحت دائماً أردد: آمنت بالله لا إله إلا الله، حتى ذهب عني
ذلك الوسواس
من لهؤلاء
الشباب الغرقى، لولا إخوة لهم يزورونهم ويعودونهم
أيها
الأحبة:
وتقدم إليَّ شاب
ثالث وقال: يا أخي، إنني أحب أن أكون من الدعاة، ولكنني لا أستطيع أن أفعل، فعلمني
ودلني على الطريق فقلت له: يا أخي، الزم هؤلاء، وكن معهم، ورافقهم، وإياك، إياك أن
تتركهم.
وإذا ببعض
الإخوة يأتون، ويحتضنونه ويلتزمونه، ويحيطون به، وإذا هو ابن من؟ ابن امرأة في هذا
البلد، تسعى لتدمير النساء والفتيات، وإذا هو بفضل الله ومنّته، يلتزم بالدين
وبالشرع، ويضع يده في يد إخوانه في الله، سبحان الله! (يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ
الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ) (الروم: 19)
أيها
الأحبة:
في هذا المؤتمر
القيم، أنتقل بكم إلى محاضرة من محاضراته، فهذا الأخ السعدون، ألقى محاضرة قيمة في
موضوع هام نعيشه؛ وهو تنقيح الدستور، وسأذكر لكم عبارة من عباراته أكتفي بها، قال:
إذا نُقّح الدستور، وعُدّلت المواد، ومُررت، فإن الدستور سيكون بلا مضمون، وإن
مجلس الأمة سيتحول إلى أقل من لجنة استشارية هذه جملة خطيرة يجب الانتباه إليها،
إذا مُررت هذه المواد، وعُدّلت وتم الاتفاق على تعديلها، فقل على حرية الكلمة
العفاء، وستأتي القيود تلو القيود، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
أما محاضرة الأخ
النفيسي، فسأنقل لكم عبارة عنها، قال: إن أمريكا تخاف مصالحها في المنطقة، فلهذا
عالجت الأمر، بإقامة قواعد عسكرية في الجزيرة العربية، وأن الذي سينفق على إقامة
هذه القواعد العسكرية هم دول المنطقة، وخشيت أمريكا من الدول القوية المجاورة،
كالعراق وإيران، فأشعلتها حرباً بين الجيشين، ولم تقف هذه الحرب حتى تستقر القواعد
العسكرية الأمريكية في المنطقة، وهذا يلفت نظر الشعوب، فأرادوا أن يجعلوا لها مظلة
سياسية، تهضمها الأمة، فأرسوا موضوع الاتفاقية الأمنية للمنطقة؛ حتى تغطي على
موضوع القواعد العسكرية الأمريكية هذا أيضاً كلام خطير، ننتبه إليه في موضوع الوعي
السياسي
ثم
أيها الإخوة:
بعد هذه
اللقاءات الطيبة، أخذت أتجول بفضل الله في الولايات، فالتقيت بشباب مسلم مؤمن من
جميع الأجناس، وذكرني بالجاليات الإسلامية هنا، في بلدي هذا، الذين جاؤوا من
أفريقيا وساحل العاج وجزر القمر وإندونيسيا والفلبين، وماليزيا، وهم بينكم الآن،
أراهم، وقد حضروا إلى المسجد اليوم، هؤلاء الوفود الذين حازوا على منح دراسية في
معهد المعلمين، أو المعهد الديني، أو في الجامعة، إنني أرحب بهم، وأدعو لهم،
وأذكرهم بإخوانهم، الذين التقيت بهم هناك، وشعارهم: لا فرق لعربي على عجمي، لا
فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى.{رواه أحمد}
والله أيها
الإخوة عشتها لحظات في غاية السعادة، بين إخوتي في الله، منهم من يعرف العربية،
ومنهم من لا يعرفها، ثم عدت بعد ذلك إليكم هنا، ناقلاً لكم هذه الأخبار، وتلك
الصورة وأسأل الله جل ثناؤه أن يتقبل منا ومنكم صالح الأعمال، وأن يحفظنا وإياكم
بحفظه وأخيراً
نداء عاجل إلى الأباء: أبناؤكم في بحر متلاطم
وصيتي إلى
الآباء الذين يدرس أبناؤهم هناك في أمريكا، أقول لهم: الله الله في أبنائكم، الله
الله في أبنائكم، فإنهم في بحر متلاطم، والله، أيها الإخوة، إن الجنس ليطارد
الإنسان في كل مكان يذكر لي أحد الإخوة، قال: لما جئت، وجدت نفسي كالمجنون،
كالمسعور، لا أدري ماذا أفعل؟ في الجامعة، في البيت، في السوق، في كل مكان، حتى
اتصلت بأهلي وقلت لهم: إني قادم، فقال أبي: تعالَ، فلما جئت وحكيت له الحكاية،
تعجب من الوضع الذي هناك، ثم غيّر ولايتي، ونقلني إلى إخوتي في الله، فأحسست
بالسكينة، وأحسست بالاطمئنان لما رافقتهم
فلهذا أوصي
الآباء: إياكم أن تتركوا أبناءكم هناك، قبل أن توجهوهم إلى إخوانهم من الدعاة
المسلمين هناك في أمريكا، وإلا فإن الرذيلة والجنس والمخدرات تحيط بهم في كل مكان
وكان أول خطر
استقبلني يوم أن نزلت، خبر امرأة نُشرت في الجرائد، له طفل عمره شهران، اتصل بها
عشيقها وقال لها: لقد تأخرت عن الملهى والمرقص، فقالت: إن طفلي الصغير يحتاج إلى
عناية ورعاية، فقال لها: تصرفي معه، فقامت وجاءت فتحة مجمع الزبالة –أعزكم الله–
وألقت الطفل فيه، وهوى الطفل من العمارة وسقط على الأكياس، وصاحب البلدية في
الصباح يجر الزبالة في الصباح، وإذا به يرى الطفل ينزف الدم، وحمله إلى المستشفى،
وهو بين الحياة والموت، هذه الصورة للمجتمع الأمريكي، الضال المضل
صورة أخرى: بعض
الإخوة ذهبوا إلى مطعم، وكانوا يلبسون الزي الإسلامي، واللباس الإسلامي، وما أن
أكلوا في المطعم حتى تقدم صاحب المطعم إليهم، وقدم لهم إكراماً على الأسلوب
الأمريكي، وقال: هل تريدون أن أوفر لكم هذه الليلة حفلاً مليئاً بالخمر والنساء؟
فردوا عليه
وقالوا له: نحن مسلمون، وهذا حرام في ديننا، فقال: ما أدري ذلك، ولكن العرب الذين
يأتون من الخليج والجزيرة عوّدونا على أن نفعل ذلك لهم ومع الأسف الشديد، لقد كنا
نصدر الإسلام والخُلق القويم، فأصبحنا نصدّر الرذيلة والسمعة السيئة
ومن الأمور
العجيبة، والله أعلم بالمهتدين، وصلني خبر حدث في أمريكا منذ زمن، أن الدعاة
المسلمين توصلوا إلى المطرب والمغني الأول في أمريكا، وهو مشهور، وكان دخله اليومي
آلاف الدولارات، فوصل إليه الدعاة، وجلسوا معه جلسة، وشرحوا له الإسلام، فأسلم
واهتدى، وأطلق لحيته، وتزيّا بالزي الإسلامي، ثم خرج معهم يدعو إلى الله، فدخل في
شقة شاب من أهل الجزيرة، وإذا بالشقة مملوءة بصور المغني نفسه، فقال له هذا الرجل
الملتحي الأمريكي: ألا تتقي الله، لقد جئتك وأنا لست من أهل بلدك ولا من لغتك،
فأصر هذا الشاب، وقال: دولتي ما أرسلتني إلا لكي أفرح، وألهو، وأفعل الفاحشة ما
أشاء
فقال له: أتحب
صاحب هذه الصورة التي ملأت شقتك، هذا قدوتي، هذا حبيبي، انظر، هذه أسطواناته، وهذه
أشرطته، قال: أتصدق أن صاحب هذه الصورة هو أنا؟ وأخرج له بطاقته الشخصية، فلما
رآها خر بين يديه يبكي
أيها
الإخوة:
هذاهوواقعهم
هناك، لهذا وصيتي إلى الآباء، أن ينتبهوا إلى أبنائهم، فهم غرقى في بحر متلاطم
الأمواج، لا ينجي منه إلا الله، فنسأل الله سبحانه أن يبعث الإسلام هناك من بين
أيديهم، ونسأله سبحانه وتعالى قائداً ربانياً يسمع كلام الله ويسمعنا، وينقاد إلى
الله ويقودنا، ويحكم بكتاب الله ونحفظه
أقول قولي هذا، وأستغفر الله فاستغفروه
الخطبة الثانية
الحمد لله رب
العالمين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين،
وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، البشير النذير، السراج المنير، صلى الله عليه وعلى
آله وسلم تسليماً كثيراً.
أيها
الأحبة في الله:
من صمت حماة إلى ذبح طرابلس
أعود إلى حدث
الساعة، الذي يُحاط بتعتيم إعلامي كما أُحيطت حادثة حماة المسلمة، ألا وهو القصف
العشوائي المنصبّ الآن على أرض طرابلس، على طرابلس المسلمة، هناك في شمال لبنان،
راجمات الصواريخ، المدفعية الثقيلة، تدك بالليل والنهار بحممها ولهيبها رؤوس
المسلمين، وتهدم بيوتهم عليهم، وخرج الناس آلافاً بأطفالهم ونسائهم، فارين
بأرواحهم، وكلكم قرأتم خبر الجريدة يوم أمس، بعد استمرار القصف، وبعد أن خرج
النهار وبدأ الناس يخرجون من مخابئهم، وإذا بهم يرون طفلاً عند الرصيف قد تجمد من
الصقيع، الثلج ينزل، والقصف شديد، والتدمير رهيب، والإعلام يقول: إنها حرب مناوشات
بين مليشيا معارضة للنظام، ومليشيا مؤيدة للنظام، وهكذا ينتهي الإعلام العميل عند
هذا الخبر، وإذا بالواقع غير ذلك، وإذا هي سياسة «إسرائيلية» تقوم على سيطرة
الأقلية على الأكثرية بالنار والحديد، وقد عوّدتنا «إسرائيل» في حرب فلسطين على أن
تكون الأقلية اليهودية هي المسيطرة على الأكثرية وتعريضها إلى الإبادة، واستخدمت
بذلك أسلوب قصف المدن، واستخدم ذلك في جنوب لبنان، ثم في بيروت، والآن تتيح الفرصة
للنظام المشؤوم أن يؤدي ما تريده «إسرائيل» على أرض طرابلس.
أيها
الإخوة:
أسلوب قصف المدن
يذكّرنا بحادثة حماة، وما حدث لها، التعتيم الإعلامي الرهيب، وجدران الصمت التي لا
تزال صامتة
المخطط اليهودي
يريد إقامة دويلات ضعيفة، كدويلة الدروز، أو المارون، أو النصيرية العلويين،
وبوجود هذه الدويلات يتوفر الحاجز الأمني لليهود، حتى مبدأ فرّق تسد
فلهذا سكت
اليهود الآن للعلويين النصيرية وهم يضربون طرابلس، في مقابل سكوتهم على ضرب الجنوب
وضرب بيروت، وهذا أسلوب تعودنا عليه، في موضوع الجولان، والقنيطرة، من أجل ماذا؟
من أجل الحفاظ على العروش الصدئة، ومساميرها التي تحيط بها
ثم
أيها الإخوة:
نذكر أن هذا
النظام المشبوه في حرب لبنان صرّح مرة قائلاً: إن أسلحتي غير صالحة للقصف، وأنني
لأخوض حرباً يفرضها عليَّ الآخرون، ولكنني أنا أحدد المكان والزمان.
ولما جاء يحدد
المكان، حدده في حماة المسلمة، ثم يحدده الآن في طرابلس المسلمة، تعلمون أن طرابلس
80% من أهل السُّنة، والقلة القليلة من العلويين النصيرية، لهذا تقوم الدولة الآن
بدك طرابلس على من فيها، وتعرضهم إلى هجرة جماعية، وإبادة جماعية، لكي تسيطر عليها
بعد ذلك وتضمها إلى سورية
هذا الوضع لا
يتكلم فيه أحد؛ لأن الجميع جبناء، إلا من رحم الله، على جميع المستويات، الدول
والإعلام عملاء، إلا ما رحم الله، ولكن الذي يتذكّر جلال الله وعظمة الله لا يخاف
إلا من الله؛ لأن الأعناق والأرزاق بيد الله، فوالله لا يستطيع أحد أن يحجز عن
مخلوق قطرة ماء، ولا نسمة هواء إلا بإذن الله الواحد الأحد
لماذا هذا
الصمت؟ لماذا هذا السكوت؟ دول العالم العربي كلها تعلم بما يحدث الآن في طرابلس،
في شمال لبنان هناك، آلاف الأطفال يموتون، والنساء، والرجال، وتأتي الأخبار سبعة
ثم تقول: 170، كلها كذب، ولكن الذي يأتي من هناك يحكي أخباراً رهيبة، كأخبار حماة
التي ذهب ضحيتها أكثر من ثلاثين ألف مسلم
لماذا يخافون من مصر والشام تحديدا؟
وكما نعلم أن
المخطط عالمي، أيها الإخوة، وليس عبثاً أن الرسول صلى الله عليه وسلم ذكر الشام
بأحاديث وقال: «اللهم بارك لنا في شامنا ويمننا، وإن الملائكة تبسط أجنحتها على
الشام»، لم؟ لأن الشام هي بوابة، هي الحارس، هي صمام الأمان، هي الشام
دائماً وأبداً، وأرض مصر؟
والذي يقرأ
التاريخ عندما زحف المغول والتتار تكسرت موجاتهم على أبواب الشام ومصر، وعادوا
أدراج الرياح، ودخل معظمهم في الإسلام، والمخطط العالمي يعلم هذه الحقيقة،
والإعلام يعلم ذلك، ولكنه يزوّر ويضلل الأجيال المسلمة، لهذا، إذا سقطت الشام كلها
بأيدي اليهود، فقل للعالم العربي بأنك قد مت، وكبّر عليه وصلّ عليه صلاة الجنازة
إنهم يعلمون
ذلك، ولكن مثلهم كمثل الذي يأكل نصيب يومه، بحرمان غده، ويستلذ بأكل العسل، ولكنه
لا يعلم أن السم فيه، والموت قريب
أيها
الإخوة:
لنعش مع إخواننا
في طرابلس، بقلوبنا، وبدعائنا، وبصدقاتنا، ونسأل الله أن يفرج عنهم، ويكشف غمهم
وهمهم، هو ولي ذلك والقادر عليه
وقد بُليت هذه
الأمة ولا حول ولا قوة إلا بالله، في الماضي بالأمس فلسطين، ثم لبنان، ثم طرابلس،
وهكذا خطوة، خطوة، ومرحلة مرحلة، والدور قادم، ولا حول ولا قوة إلا بالله، لهذا
نجعل للدعاء أولويات، فلا ندعو بأي دعاء، في زمان الفتن، وإنما نقول: اللهم إنا
نسألك لأمة محمد قائداً ربانياً، يسمع كلام الله ويسمعنا، وينقاد إلى الله
ويقودنا، ويحكم بكتاب الله ونحفظه
اللهم وحّد
القيادة، اللهم وحّد الجيوش، اللهم وحد الأمة، اللهم اجمع القلوب، اللهم رد
المسلمين إلى الإسلام رداً جميلاً، اللهم انصر إخواننا المسلمين في طرابلس، وفي
فلسطين، وفي أرض لبنان، وفي مصر، وفي أفغانستان، وفي فلبين، وفي كل أرض وحين، وفي
كل أرض يذكر فيها اسم الله، وما ذلك على الله بعزيز
اللهم أرنا في
أعدائك يوماً أسود، كيوم فرعون، وهامان، وقارون، اللهم دمرهم تدميراً، وخذهم أخذ
عزيز مقتدر، اللهم إنا نستغفرك من ذنوبنا ومن معاصينا التي كانت سبباً في بلائنا،
اللهم إن الذنب كبير، والعمل القليل، ولا نثق إلا برحمتك يا أرحم الراحمين
اللهم استعملنا
فيما يرضيك، ولا تشغلنا فيما يباعدنا عنك، واقذف في قلوبنا رجاءك، واقطع رجاءنا
عمن سواك، حتى لا نرجو أحداً غيرك
إن الله يأمر
بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم
تذكرون
اذكروا الله
يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون