الخميس 14-مايو-2026 - 27 ذو القعدة ، 1447

الجنس الثالث أسبابه ومخاطره

104
2026-05-14

التعريف بالخطبة

خلق الله البشر ذكرا وأنثى، ثم جاءت أفكار الشياطين في الإعلام والتربية فبثت سمومها في عقول الناشئة و الأسر المفرطة والأمهات المهملة فنتج الجنس الثالث.

عناصر الخطبة

مقابلة على ساحل الخليج

أسباب ظهور الجنس الثالث

من ملامح التربية في مجتمع الصحابة

من ملامح التربية في القرآن

لا تكفروا بأنعم الله

المقدمة

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

أما بعد..

فإن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

عباد الله..

أوصيكم ونفسي بتقوى الله، حيث أمرنا في كتابه الكريم: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ) (آل عمران: 102)، وقال سبحانه: (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً {2} وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ) (الطلاق).

ثناء ودعاء

اللهم ربنا لك الحمد حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، كما ينبغي لجلال وجهك ولعظيم سلطانك، وكما يحب ربنا أن يحمد وينبغي له في الدنيا والآخرة، حمداً خالداً مع خلوده لا منتهى له دون علمه، ولا منتهى له دون مشيئته، ولا أجر لقائله إلا رضاه والنظر إلى وجهه الكريم، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما ينبغي لأسمائه الحسنى وصفاته العلا، ووحدانيته، حمداً كثيراً مباركاً فيه على حلمه بعد علمه، وعلى عفوه بعد مقدرته، عدد ما أحاط به علمه، وخط به قلمه، وأحصاه كتابه وبلغ فيه لطفه

اللهم لك الحمد من يوم أن كنت ولم يكن هناك شيء، ولك الحمد أبد الآبدين كما ينبغي لأسمائك الحسنى، وصفاتك العلا، ووحدانيتك، وكما ينبغي لحلمك بعد علمك، وكما ينبغي لعفوك بعد مقدرتك، حمداً عدد ما أحاط به علمك، وخط به قلمك، وأحصاه كتابك، وبلغ فيه لطفك، وقهره ملكه، ووسعته رحمته، ورضيته نفسه، أهل الثناء والمجد، أحق ما قال العبد، وكلنا لك عبد، لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ضال لمن هديت، ولا هادي لمن أضللت، ولا مباعد لمن أدنيت، ولا مدني لما باعدت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد.

اللهم لك الحمد كله، ولك الملك كله، وبيدك الخير كله، وإليك يرجع الأمر كله، علانيته وسره، لك الحمد إنك على كل شيء قدير.

اللهم إني أبرأ من الثقة إلا بك، ومن الأمل إلا فيك، ومن التسليم إلا لك، ومن التفويض إلا إليك، ومن التوكل إلا عليك، ومن الرضا إلا عنك، ومن الطلب إلا منك، ومن الذل إلا في طاعتك، ومن الصبر إلا على بابك، ومن الرجاء إلا لما في يديك الكريمتين، ومن الرهبة إلا لجلالك العظيم.

اللهم لك الحمد تتابع برك، واتصل خيرك، كمل عطاؤك، وعمت فواضلك، وتمت نوافلك، وبر قسمك، وصدق وعدك، وحق على أعدائك وعيدك، ولم تبق حاجة لنا إلا قضيتها برحمتك يا أرحم الراحمين.

اللهم ألف على الخير قلوبنا، وأصلح ذات بيننا، واهدنا سبل السلام، ونجنا من الظلمات إلى النور، اللهم نبرأ إليك من ذنوبنا ومعاصينا، اللهم إن الذنب كبير، والعمل قليل، ولا نثق إلا برحمتك يا أرحم الراحمين.

أما بعد، أيها الأحباب الكرام..

مقابلة على ساحل الخليج

يؤسفني أن أجرح مسامعكم بهذه المقابلة التي سمعتها على شريط أُهدي إليَّ، قام بتسجيله أحد المذيعين، جزاه الله خيراً، لينقلنا إلى الواقع الأليم، مقابلة مع فئة من شباب الكويت، على ساحل الخليج، أمام كافتيريا الأفراح، يسألهم: ما اسمكم؟

قالوا: أسماؤنا الحقيقية نخفيها لأننا من عائلات كبيرة، ولكن لنا أسماء رمزية نتعارف بها.

فقال لهم: ما هي أسماؤكم الرمزية التنكرية؟

فأخذ كل واحد منهم يسمّي نفسه، باسم راقصة مصرية شهيرة.

فقال لهم: ما هذه الأسماء؟! أرى أمامي ذكوراً، وأسمع أسماء إناث!

قالوا: نعم: إننا نحن الجنس الثالث، لسنا بالذكور، ولسنا بالإناث!

فقال: وهل منكم كثير؟!

قالوا: كثير!

فقال لهم: وما هذا الذي تضعونه على وجوهكم؟!

قالوا: الماكياج، فإننا نتعامل مع أحدث أنواع الموضة والموديل في المساحيق والماكياج، وهناك محلات خاصة ذات ماركات عالمية، تتصل بنا وبأرقامنا كلما جاء جديد من دور الأزياء في الماكياج.

فقال لهم: وما دوركم في الحياة؟!

قالوا: دورنا في الحياة خطير، نحن نُدخل الأُنس على الناس!

فقال: وما نوع الأُنس؟!

قالوا: نتتبع الحفلات، فنرقص فيها!

فقال لهم: الأنثى معروف دورها في الحياة، والذكر معروف دوره في الحياة، أما أنتم، فماذا تفعلون؟!

قالوا: إن جنسنا الثالث أصبح مرغوباً عند المنحرفين وعند الشباب أكثر من النساء الساقطات، وإن الحجز عليهم، وكل يوم يعرضون أنفسهم على أطباء خاصين، ليتأكد الأطباء أن مرض الإيدز والهيربز لم يصل إليهم بعد!

ويقولون: إننا نطالب الدولة أن تصدر قانوناً كما أصدرت بريطانيا بأن تحفظنا وتحفظ حقوقنا، وأننا نطالب من أراد أن يكون مثلنا أن يضع الماكياج، وأن يلبس الفستان، وأن يتكلم بصوت نسائي ويمشي بمشيهن، ومكاننا معروف، وعملنا معروف ونحن ندرس في المدارس، ولكل واحد منا صاحب وصديق!

أسباب ظهور الجنس الثالث

قال لهم: وما الأسباب؟!

قالوا: الأسباب كثيرة، منها أن أعمارنا تتراوح ما بين الخامسة عشرة إلى العشرين، ونذكر أننا في بدء حياتنا عشنا طبيعيين، ولكن أمهاتنا تركتنا للخادمات، ونشأنا على أيدي الخادمات، ولم يكن في البيت ولد ذكر غيرنا، فكل واحد له عدة أخوات، نشأ بينهن، بإهمال من الأم، وتربية من الخادمة، وإغفال من الوالد، وتربية بالتلفاز كل ليلة، والمجتمع السلبي كل لحظة، فكان ذلك هو السبب في وجودنا.

عند ذلك قال المذيع لهم: وهل أنتم فخورون بوضعكم هذا؟!

قالوا: نعم، وإن النساء الساقطات أصبحن يغرن من وجودنا بين الشباب!

والله هكذا يقولون بالحرف، ويبدأ الشريط يتكلم عن واقع حالهم المأساوي، بكلام يندى منه الجبين، وإني لأربأ بنفسي أن أذكر ما قالوا وما فعلوا، وما يفعل بهم.

من الذي أوجد هذه الطائفة المنحرفة؟ وكيف تتزايد؟

ونحن في غفلة، على أنفاس من قامت وتكاثرت ووجدت؟ ولا تكاد مدرسة في الكويت إلا وفيها هذا الصنف وهو معروف معلوم، بشكله وحركاته، وأعماله، وصحبته.

قال تعالى: (وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لاَ يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِداً) (الأعراف: 58)؛ النبات النكد على أنفاس التربية والإعلام، أما الإعلام فحدّث ولا حرج، ففي كل ليلة تتحول بيوتنا إلى مواخير دعارة بسبب أفلام التلفاز، وأنا أتحدى أن تحضر لي ليلة واحدة لا يلتقي بها في التلفاز بين ذكر وأنثى في غراميات وحب وعشق وهيام، ويهوّنون الخطيئة والرذيلة عند الشباب، ومعظم المسلسلات العربية والأجنبية كلها تدعو إلى الدعارة.

ماذا تريد من شاب يشاهد مسلسلاً تتصل البطلة بزوجها، وتقول له: تعال لي فإنني في الملهى الفلاني، ومعي عشيقي، أكلت معه الطعام، ثم خرج ولم يدفع القيمة، فيأتي الزوج ويحمل أولاده لكي يدفع قيمة طعام عشيق زوجته، ثم يمسكها من يدها، ويقول لها: مرة ثانية، إذا أردت أن تخرجي مع العشيق، فاخرجي مع إنسان يحمل مالاً؟!

نعم، ألا تشاهدون التلفزيون؟

البنت والولد عندما يستلقي ويستمع إلى مثل هذا، ماذا تريد منه؟! هو بشر، يتأثر، ويستقبل، ويتربى؛ (إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولـئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً) (الإسراء: 36).

لماذا عنه مسؤول؟ لأنها منافذ التلقي والتربية عند الإنسان.

من أسباب ظهور الجنس الثالث تدريس المعلمات بمدارس البنين

ثم ماذا أيها الإخوة؟

هذا ما فعله الإعلام، باختصار شديد، أما التربية، فقد جاؤوا خلال ثلاثة أعوام مضت بأسلوب جديد، جعلوا المدرسات يدرسن الأولاد، وأذكر قبل تنفيذ هذا المشروع أو المخطط أن استفتتني وزارة التربية، قال لي المسؤول الإداري وقد جاءني في المدرسة وأنا وكيلها قبل أن تحوّل مدرستي إلى مدرسة مدرسات، ماذا تقول أيها الشيخ؟ قلت: هذا لا يجوز ولا يحل، يكفي الطفل أنه يتلقى التربية من أمه، فإذا كثرت البنات في البيت صار يأخذ من أخلاقهن وحركاتهن وألفاظهن، وتكسرهن، فإذا تابعنا ذلك في المدرسة، أين يتعلم الرجولة؟ كيف يمشي مثل الرجال؟ كيف يتكلم مثل الرجال؟ كيف يأخذ ويعطي مثل الرجال؟

فقالوا: لا.. إن الكلام الذي تقوله هذا لا يناسب الوزارة، ونُفّذت الخطة، وبدأت إفرازاتها تظهر في واقع الحياة، شباب ليسوا بالذكور وليسوا بالإناث، ومن أراد أن يتحقق فليذهب هناك على سواحل الخليج، ليرى كيف يضع الشباب الماكياج.

ومن المأساة التي أبكتني في هذا الشريط، يقول أحدهم: وإنني أعتبر نفسي غير طبيعي، ولكن الظروف التي مررت بها هي التي جعلتني هكذا، أقع في هذه الرذيلة، وهذا الشذوذ، وإنني كنت أرى صديقاً لي أمه تجلسه كل يوم أمام الخادمة، وتقوم بحف حواجبه، ونتف الشعر من يده ورجله، حتى تساعده على الوضع الذي كان فيه!

أي نوع هذه من الأمهات؟! لقد كنا نعلم ونقرأ عنهن في الغرب وأمريكا، أما أن يكون هذا الصنف من بيننا فلا شك أنها تحويلة خطيرة في عاداتنا وتقاليدنا وديننا الإسلامي الحنيف.

والشريط موجود، والذي قام بالتسجيل مذيع مشهور.

حقوق الطفولة في الإسلام

كيف استطاع الإسلام أن يدافع عن الطفولة وعن الجيل المسلم؟

اللهم جل ثناؤه لا يقسم بمخلوقاته إلا لأمر عظيم، وتراه يقسم بالولد؛ (لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ {1} وَأَنتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ {2} وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ) (البلد)، يقسم الله بالولد، حتى يلفت أنظارنا إليه، كما أنه يوصينا، (يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ) (النساء: 11)، ويعلمنا كيف ندعو؛ (رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً) (الفرقان: 74)، والأنبياء يدعون لأبنائهم مع أن تربية الأنبياء لا تعادلها تربية، وكانوا يخافون من مجتمعهم، ويخافون من محيطهم، فهذا إبراهيم: (رَبِّ اجْعَلْ هَـذَا الْبَلَدَ آمِناً وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأَصْنَامَ) (إبراهيم: 35)، أصنام الشجر، وأصنام البقر، وأصنام الحجر، وأصنام البشر، وأصنام الهوى والشهوة والجنس، (رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاَةِ وَمِن ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاء) (إبراهيم: 40).

وهذا نوح عليه السلام أثر مجتمعه الفاسد في ولده، وأثرت زوجته الفاسدة في ولده، ورآه يغرق أمامه؛ (رَبِّ إِنَّ ابُنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ {45}‏ قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ) (هود).

الزوجة الفاسدة جعلت نبي الله نوح لا يتمكن من تربية ولده

من الذي قام بهذا العمل غير الصالح حتى أنتج ابن نوح، ابن نبي من أولي العزم، لم يستطع تربيته؟ إنه المجتمع الفاسد، والزوجة الفاسدة، والمحيط الفاسد، جعلت نبياً من أولي العزم لا يتمكن من تربية ولده، وخر غريقاً مع الكافرين، فكيف تريد منا أيها التلفاز؟ كيف تريدين منا أيتها المناهج العقيمة أن نربي أبناءنا، فالذي نبنيه في سنة، تهدمونه في لحظة، أو لقطة من لقطاتكم.

متى يبلغ البنيان عند تمامه

إذا كنت تبنيه وغيرك يهدم

وصدق الشاعر:

وينشأ ناشئ الفتيان فينا

على ما كان عوّده أبوه

قال تعالى في كتابه الكريم، وهو يتكلم عن واقع هذه البلدة وكل بلدة في الماضي والحاضر والمستقبل: (وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا) (الإسراء: 16)، وفي قراءة أخطر من هذه القراءة «أمَّرنا مترفيها»؛ أي جعلنا المترفين المنحطين السفهاء مسؤولين، (أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً).

من ملامح التربية عند الصحابة

عمر بن الخطاب رضي الله عنه، انظروا كيف تحارب الرذيلة، يمر بالمدينة فيسمع فتاة تقول:

هل من سبيل إلى خمر فأشربها

أم من سبيل إلى نصر بن حجاج

فصعق الخليفة، وعقد المجلس العام لدولته، وقال: من هذا نصر بن حجاج، الذي تتغنى باسمه النساء؟!

قال عبد الرحمن بن عوف: إنه شاب، له فروة تنوس على وجهه، أجمل من النساء.

فأمر بإحضاره، فلما نظر إليه، أمر الحلاق أن يحلق شعره، فقال له: ما ذنبي يا أمير المؤمنين، هكذا خلقني الله، قال: الذنب ليس ذنبك يا بني، إنما الذنب ذنبي إن تركتك هكذا تفسد في مدينة رسول الله.

الذنب الأول لا يتحمله أولئك الصبية الأغرار، إنما يتحمله الراعي والمسؤول.

نماذج من التربية الإسلامية الحقة، يعرضها التاريخ الإسلامي، يوم أن كانت التربية والإعلام منبثقين من كتاب الله وسُنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

عبد الله بن الزبير يلعب مع أقرانه الأطفال، يمر عمر، فيهرب الأطفال ويبقى ابن الزبير.

فقال له عمر: ما لك ما فررت كأصحابك؟

قال عبد الله بن الزبير: لم تكن الطريق ضيقة فأوسعها لك يا أمير المؤمنين، ولم أذنب فأخافك يا أمير المؤمنين!

وهذا عمير بن أبي وقاص، في معركة «بدر»، يبكي لما أمر الرسول بإعادته إلى المدينة مع الصغار، فقال له أخوه سعد: والله يا رسول الله، ما خرج من المدينة إلا رغبة في الشهادة، فلا تحرمه الشهادة يا رسول الله، فكان من أوائل الشهداء في معركة «بدر»، ولم يبلغ عمره 14 عاماً.

وهذا عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز، رحمة الله عليه، يدخل على والده في يوم العيد، وأبوه خليفة المسلمين، يملك مشارق الأرض ومغاربها، وليس عليه إلا ثوب قديم مرقع، فيطأطئ الخليفة رأسه، وقد دخل الناس عليه يهنئونه بالعيد، فقال له ولده: ما أراك يا أمير المؤمنين نكست رأسك لما دخلت عليك؟ قال: يا بني، لما نظرت إلى ثوبك ونظرت إلى أثواب أصحابك، فرأيتهم يلبسون الجديد، ورأيتك تلبس القديم المرقع، خشيت أن ينكسر قلبك في يوم العيد.

قال: لا يا أمير المؤمنين، لا ينكسر قلب من أطاع أمه وأباه، وأرضى ربه ومولاه.

ويدخل عليه ابنه الثاني وفي يده خاتم، فقال له: أي بني؟ كم قيمة هذا الخاتم الذي بيدك، فقال: ألف درهم؟ فقال له: بعه، وأطعم به ألف مسكين، واتخذ لك خاتماً رخيصاً، واكتب عليه: رحم الله امرأ عرف قدر نفسه، هكذا كانوا يربون الأجيال المسلمة.

من ملامح التربية في القرآن

والله جل ثناؤه في كتابه الكريم يوجه الأبوين على أن يتحروا، وأن تكون عندهم الحساسية المرهفة حتى بالنظر المجرد، فأمر الوالدين أن يستترا، وألا يدخل الأطفال، والذين بلغوا الحلم من الأطفال، أو الخدم أن يدخلوا في أوقات معينة دون استئذان، فلعل أحدهم ينظر نظرة عابرة، فيرى الزوج مع زوجته في مقام لا يليق أن ينظر فيه، فتتأثر أخلاقهم، وتتأثر سلوكهم، القرآن يحذر الأسرة المسلمة في المجتمع المسلم، والنبي من بينهم، والصحابة في خير القرون، يتنزل فيقول: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِن قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُم مِّنَ الظَّهِيرَةِ وَمِن بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاء ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَّكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُم بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) (النور: 58).

(وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) (النور: 59)، تتكرر مرة ثانية (وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ)؛ عليم بأحوال الناس وخفايا القلوب، حكيم، لا يشرّع إلا من حكمة، سبحانه وتعالى (عَلِيمٌ حَكِيمٌ).

ولكننا رفضنا التربية القرآنية فكانت هذه النتيجة، من عقوق وضياع، وانحطاط في أخلاق الذرية، نسأل الله العافية، وصدق الله: (وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لاَ يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِداً) (الأعراف: 58).

اللهم إنا نسألك العافية في الدنيا والآخرة، اللهم إنا نسألك الإصلاح في الولد، والعافية في الجسد، والأمن في البلد برحمتك يا أرحم الراحمين، ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه.

الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بلّغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح لهذه الأمة.

اللهم لا تفتنّا بعده، ولا تحرمنا أجره، وأوردنا حوضه، واسقنا من يده الشريفة شربة هنيئة لا نظمأ بعدها أبداً، برحمتك يا أرحم الراحمين.

أما بعد، أيها الأحباب الكرام..

لا تكفروا بأنعم الله

ومن صور شكر هذا البلد لله، الذي حفظه من المتفجرات، وحفظه من التشريد والتقتيل والتفجير، صورة مظلمة قاتمة لشكران النعم، تحدث هذا الأسبوع بفندق هوليدي إن، تحت عنوان وأنفاس المهرجان التلفزيوني، وجاء الممثلون والممثلات، من كل مكان، وأصور لكم واقع الحال، لقد اجتمع الناس داخل الفندق، في قاعته، وأبراجه، ومرتفعاته، وحوله، والبلكونات، والسلالم، وكل موقع فيه امتلأ بالناس، من عاريات الصدور والأفخاذ، من الكاسيات العاريات المائلات المميلات، ولم يبق أحد من الممثلين والممثلات في الخليج أو العالم العربي إلا وجاء.

جاؤوا واجتمعوا، وافتتح المسؤول الاجتماع والمهرجان بقوله: «بسم الله، نفتتح المهرجان التلفزيوني الفني، وتوكلاً على الله واعتماداً عليه»!

عجباً هذه المرة، لم يحضروا قارئاً يقرأ لهم القرآن الكريم، ويفتتح، لأننا اعتدنا، كما افتتح فندق ماريوت السفينة على البحر، يوم أن افتتحوها، أذكر أنهم أحضروا مقرئاً من الأوقاف، وبدأ يتلو كتاب الله ثم قص الشريط ثم تحول بعد ذلك إلى فندق ماريوت العائم على البحر.

أيها الإخوة..

وبدأوا في جحيم من القبل، التصقت الأجساد بالأجساد، وبدأ، كما تذكر الجرائد، غنى مغنياً من الكويت، بدأت إحدى الممثلات بلباسها الشفاف العاري الملتصق وصدرها العاري ترقص الرقص المصري الشرقي، والكل يصفق ويهتف، كل ذلك يحدث شكراً لله، على حفظه لأمن البلد من المتفجرات والانقلاب.

أهكذا تُشكر النعم؟! أهكذا يُشكر الرب سبحانه وتعالى؟!

أيها الإخوة..

سؤال يرفعه النائب السلطان إلى وزارة الإعلام، يطلب الأجوبة، ونحن كمسلمين نطلب الأجوبة، كم كلف هذا المهرجان من ميزانية؟ ومن الذي أحضره؟ ومن المسؤول عنه؟ وبأي رخصة حضر هؤلاء؟ وللمرة الثالثة يتكرر هذا المهرجان في الكويت، وقد رفضت تبنيه دول الخليج كلها، كل دول الخليج أبت على أن تستضيف وتقيم هذا المهرجان، وفتحت الكويت بديمقراطيتها أحضانها، حتى تأتي الأجساد العارية، فتفوح أنفاسهم، وترتفع إلى السماء، لكي يسخط الله علينا كثيراً، ويغضب الله علينا كثيراً، وصدق الله إذ يقول: (وَضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللّهِ فَأَذَاقَهَا اللّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ) (النحل: 112).

إذا أراد رجل أن يتوظف، مهندساً أو طبيباً أو إماماً أو مؤذناً، قالت له الوزارات: الميزانية لا تحتمل، الدرجات غير موجودة، هناك قرار بالترشيد، ترشيد الإنفاق، وهذا القرار هو الذي جعلنا نمنع الطعام عن الأولاد في المدارس، والذي جعلنا لا نستطيع توظيف المهندسين والأطباء، والأئمة والمؤذنين، فالميزانية لا تحتمل.

عجباً، ترشيد الإنفاق فقط على جوانب الخير، ولم نر لترشيد الإنفاق أثراً على جوانب الشر، فهؤلاء مدرسو الفن والموسيقى في المدارس كلهم يأخذون الرواتب، ويخرّجون لنا أولاداً يعزفون على الأعواد ويشربون الخمور في المستقبل!

أين ترشيد الإنفاق؟

منعتم الغذاء الجسدي عن الولد، فلماذا تحطمون الغذاء الروحي بالفن والموسيقى والرقص؟

ترشيد الإنفاق أين هو من هذا المهرجان، الذي طارت فيه البالونات، وارتفعت فيه الأصوات، وقُدّمت فيه الهدايا، ولا ندري كم سيحمل الممثلون والممثلات من الهدايا العينية والمادية والمعنوية، ينقلونها ليتحدثوا عن كرم الكويت وبذخ الكويت.

أيها الإخوة..

إنها لمأساة نعاني منها، ولا حول ولا قوة إلا بالله، المؤتمر الإسلامي لا يحضره إلا من يكون حريصاً على الإسلام والمسلمين، وإن مثل هذه الأعمال لوصمة عار بالدرجة الأولى على المؤتمر الإسلامي، الذي يُكتب عليه: (وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ) (التوبة: 105)، أما رؤية الله للعمل، فهو عمل والعياذ بالله، يلعنه الله ورسوله والمؤمنون، وأما رؤية رسوله، فهو يشكو وهو في قبره (رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً) (الفرقان: 30)، وأما المؤمنون فهم لا يأمنون على أعراضهم ولا أولادهم ولا ذراريهم بسبب هذا الإعلام الماجن.

دعاء الختام

ولا نملك إلا الدعاء قائلين: ربنا لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا، ولا تعاملنا بما نحن أهله، وعاملنا بما أنت أهله، أنت أهل التقوى وأهل المغفرة، اللهم إن نظرت إلى ذنوبنا ومعاصينا، فإنا نستحق العقوبة، ولكن رحمتك أوسع، ومغفرتك أكبر يا أرحم الراحمين.

اللهم يا ما مجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء، اكشف ما بنا من سوء، واهد ولاة الأمور، وأصلحهم لأنفسهم يا رب العالمين، اللهم إنا نسألك العافية في الدنيا والآخرة، اللهم من أراد بنا سوءاً فأشغله في نفسه، ومن كادنا فكده، واجعل تدميره في تدبيره، اللهم احرسنا بعينك التي لا تنام، واحفظنا بركنك الذي لا يرام، وارحمنا بقدرتك علينا، ولا نهلك وأنت رجاؤنا يا أرحم الراحمين.

اللهم أنت ملاذنا ومعاذنا، ونصيرنا وظهيرنا، وحسبنا ومولانا، نعم المولى ونعم النصير.

إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون.

اذكروا الله يذكركم، واشكروه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.

تحميل