الخميس 14-مايو-2026 - 27 ذو القعدة ، 1447
الإعراض عن ذكر الله
التعريف بالخطبة:
كانت الخطبة عقب التحرير من الغزو الغاشم، ويدور مضمونها حول أهمية الطاعة وخطورة الغفلة والإعراض عن الله، وأن الله ليس بينه وبين العباد نسب ولا صلة إلا ما كان من طاعته.
نص الخطبة:
الحمد لله رب العالمين، الحمد لله الذي أنجز وعده، ونصر عبده، وأعز جنده وهزم الأحزاب وحده.
وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وصفيه وخليله، بلغ الرسالة وأدى الأمانة، ونصح لهذه الأمة، وتركها على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك.
عباد الله..
أوصيكم ونفسي بتقوى الله؛ (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً {2} وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ) (الطلاق)، فتقوى الله ضمان الأولاد؛ (وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافاً خَافُواْ عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللّهَ وَلْيَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيداً) (النساء: 9).
اللهم أطفئ النيران في بلادنا، ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون، أطفئ النيران في بلادنا، واجمع شتاتنا، وصِل أرحامنا، وصُن أعراضنا، وأمّن خوفنا، وأظهر أمننا، واهد قلوبنا، وسدد ألسنتنا، وثبت أقدامنا، واجمع شتاتنا، وأغن فقرنا وأطعم جوعنا، واسق ظمأنا، واشف مريضنا، وارحم ميتنا، وانصر جهادنا، وتقبّل شهداءنا، وفك أسرانا، وادفع بلوانا، واكشف بلوانا، وآمن روعاتنا، وخفف لوعاتنا، وحقق لما يرضيك آمالنا، برحمتك يا أرحم الراحمين.
ربنا لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا، ولا تعاملنا بما نحن أهله، وعاملنا بما أنت أهله، أنت أهل التقوى وأهل المغفرة، ولا تهلكنا بما يفعل المبطلون، نسألك وأنت خير الفاتحين، افتح لأسرانا أجمعين، وأسرى المسلمين.
عَسى من خفيّ اللطف سبحانه لطف بعطفة برّ فالكَريم له عطف
عَسى من لطيف الصنع نظرة رحمة إلى من جفاه الأهل وَالصحب والالف
عَسى فرج يأتي به اللَه عاجِلا يسربه المَلهوف إن عمّه اللهف
عَسى نفحة قدسية صمدية بها تَنقَضي الحاجات وَالشمل يلتف
وإني لمستغن بفقري وفاقتي إليه ومستقو وإن كان بي ضعف
ونعوذ بك اللهم من الظلم، فإن الظلم ظلمات.
نصرتنا لأننا مظلومون؛ (وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً) (طه: 111)، فنعوذ بك اللهم من الخائبين الحاملين لمظالم العالمين.
خطورة الإعراض عن الله
أما بعد، عباد الله..
إني أحبكم في الله، وأسأل الله أن يحشرني وإياكم في ظل عرشه ومستقر رحمته.
ونعود مرة ثانية لنستكمل موضوع الخطبة الماضية حول أخطر كلمة قالها الله في كتابه يوم أن أنزل آدم وحواء وإبليس؛ (وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى) (طه: 124).
هكذا قال الله، وصار الناس أمام هذه الكلمة أجناساً، فمنهم من أعرض عن الله إعراضاً كاملاً كلياً، وهذا يقول الله عنه: (ذَلِكَ هُوَ الضَّلاَلُ الْبَعِيدُ) (إبراهيم: 18)، ضلال بعيد، ومن الناس من أعرض عن الله جزئياً، يُقبل مرة ويُدبر مرة، ونسأل الله أن يهديهم.
نعود إلى أثر هذه الكلمة الخطيرة التي ميّزت بين الناس، وخاصة عندما يأتي إليَّ بعض الإخوة يشتكون، يشتكون ممن؟ يشتكون من مظاهر المنكر الناتج من الذين لم يدخلوا في أتون المحنة، ولم تؤثر فيهم الموعظة، ولم يأخذوا الدرس، ولم يستفيدوا، وهؤلاء يقول عنهم الشاعر:
من لم يعظه الدهر لم ينفعه ما راح به الواعظ يومًا أو غدا
من لم تفده عبرًا أيامه كان العمى أولى به من الهدى
هؤلاء يقول الله عنهم في كتابه الكريم ويسميهم بشرِّ الدواب: (إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ) (الأنفال: 22)، نفى عنهم العقل، وسماهم شر الدواب، ليست دواباً عادية؛ لأن كثيراً من الدواب مفيدة، أما شر الدواب فالعقرب شر الدواب في اللدغ، وهم أشر من العقرب.
والثعلب شر الدواب في المكر، وهم أمكر من الثعالب.
والذئاب شر الدواب في الغدر، وهم أغدر من الذئاب.
(إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللّهِ الصُّمُّ)؛ عطل عندهم جهاز السمع والاستقبال، (الْبُكْمُ)؛ عطل عنهم جهاز الإرسال والكلام، (الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ)؛ عطل عندهم جهاز التفكير، وعليك أن تتخيل إنساناً بهذه الصورة، أليست البهيمة خيراً منه؟
(وَلَوْ عَلِمَ اللّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَّأسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّواْ وَّهُم مُّعْرِضُونَ) (الأنفال: 23)؛ جاءت الكلمة المنتظرة وهم معرضون، يعني أرجع له عقله وسمعه ولسانه، ويهديه إلى خير طريق ثم يعاند ويكابر ويتولى عن الله.
هل هناك حدث أعظم من هذا الحدث؟
الكون كله تزلزل، الهواء، الماء، الصحراء، الناس، الحيوان، الحجر، الشجر، الحجر، وهناك من الناس من لم يتغير.
والله يحول بين المرء وقلبه
لهذا جاء النداء الخالد بعد هذه الكلمة إنذاراً مبكراً من الله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ) (الأنفال: 24).
ولعل كل واحد منا جرب هذا الحائل العجيب الذي يأتي الإنسان بين الحين والحين في فترات زمنية متقطعة، أم تحمل وليدها على كتفها وتضرب بيوت الجيران تسأل عنه، أين ابني؟ ضاع ابني.
يقول أحد الجيران: كم عمره؟
قالت: سنة ونصف سنة.
قال: أليس هو الذي على كتفك؟
من الذي حال بينها وبينه؟
إنه الله.
وتكون الحاجة في يدك وتبحث عنها ساعة، والله، والله إن الله ليذكرنا بين الحين والحين، ولكن هل نعتبر؟
منذ أيام ذهبت بابني إلى المستشفى بعد منتصف الليل، وقال الكاتب: ما اسمه.
قلت: اسمه فلان.. غير اسمه.
فسجّل بغير اسمه، وانتظرت دوري للدخول على الطبيبة.. وظلت تناديه وأنا جالس، فلما ذهبت قالت: أليس هذا ابنك؟
قلت: بلى.
قالت: فلان.
قلت: لا.
قالت: ما اسمه؟
والله نسيت اسمه.. فظللت أنظر إلى وجهه وما أستطيع تذكره، واستحييت أن أقول له: ما اسمك؟!
ثم فجأة أعاد الله إليَّ فكري، فعرفت أن اسمه عبدالرحمن.
حال المعرضين عن الله يوم القيامة
فكيف حال الذين يعرضون عن الله، لا يصلون، ولا يصومون، ولا يعتبرون، ولا يتفكرون، فكيف تكون حياتهم؟!
شقاء في شقاء، عذاب في عذاب، (فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى).
وعليك يوم القيامة أن تتخيّل في هذه الظلمات التي لا يرى الإنسان فيها راحة يده، الشمس فوق الرؤوس، لا ظل ولا جلوس، تزدحم الخلائق، الجن والإنس في عرصات يوم القيام، والناس خمسون ألف سنة وهم واقفون، يلجمهم العرق وقد تعلقت بهم أعمالهم وخمورهم وبغيهم ورباهم، ويخرج هذا من قبره لا يرى أمامه ولا خلفه، ولا فوقه ولا تحته، يُقال له: ضع قدمك على الصراط، كيف ينطلق وهو لا بصر له؟!
(قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيراً) (طه: 125)، أين عيني اللتان أبصر بهما؟! كل الخلائق ترى إلا أنا، (قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى)؛ كيف أسير؟! كيف أرى كتابي؟! كيف أرى ميزاني؟! كيف أرى صحفي؟! كيف أهتدي إلى طريقي؟! (رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيراً {125} قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى) (طه).
يسلب الله عينيه في عرصات يوم القيامة فلا يرى أمامه، كيف يسير؟! تجره الزبانية على وجهه، يسمع صراخ النار وصراخ المعذبين، ثم يُلقى في النار على أم وجهه.
قالوا: يا رسول الله، كيف يمشون على وجوههم؟ قال: «إن الذي أمشاهم على أرجلهم لجدير أن يمشيهم على وجوههم».
أعمى يمشي على وجهه، هكذا يضع خده اليمين خطوة، وخده الشمال خطوة، ورجلاه ويداه فوق.. تمسكه الزبانية.. عذاب ما بعده عذاب!
(وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ {24} وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً) (الأنفال)، ولطالما رددت هذه الآية قبل الاحتلال، ولعلكم تذكرون آخر خطبة خطبتها هنا، بعنوان «مسلسل تدمير الأخلاق»، والآن أرى الأخلاق يتم تدميرها ليل نهار.
هل تغيرنا؟
لا تغتروا بالنصر
اذهبوا إلى الشوارع والأسواق لتشاهدوا.. أليس الربا ينادى عليه للاكتتاب فيه؟
(وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً)؛ إذن هذه الآية تبين أن البريء يؤخذ مع المسيء، وهذا شهدناه بأعيننا.. كم من الأبرياء أُخذوا بسبب الأشقياء؟ شُردوا.. طردوا من وظائفهم.. وأعمالهم.. والحديث يقول: «يغزو جيش الكعبة فيخسف الله بأولهم وآخرهم»، قالت عائشة: يا رسول الله، كيف يخسف الله بأولهم وآخرهم وفيهم من ليس منهم؟ قال: «يخسف الله بأولهم وآخرهم، ويبعثهم يوم القيامة على نياتهم».
لا بد أن نعود إلى الله جميعاً حكاماً ومحكومين.. لا بد من توبة عامة نعلنها وتنقلها جميع أجهزة الإعلام
إذن، حتى الذين ليس منهم يُخسف بهم، نعم، أين القلوب الواعية لهذه الآيات والأحاديث؟ أين القلوب الحية؟
فرحنا لما انتصرنا عليهم في بوبيان، أنا أعتبر بوبيان إنذاراً إلهياً جديداً، ولا بد أن نعود إليه جميعاً حكاماً ومحكومين، لا بد من توبة عامة، نعلنها تنقلها جميع أجهزة الإعلام، وأوله «سي. إن. إن»، أعلنت حكومة الكويت أنها تابت عن الربا، أعلنت حكومة الكويت أنها ستحكم بكتاب الله، أعلن الشعب الكويتي أنه سيتوب، بل تاب، وسيأخذ الحلال، ويحرّم الحرام، ويلتزم طاعة الله، بدون هذا الإعلان الخطر سوف يقترب.
وليس بين الله وبين الناس نسب، أحب مخلوق إليه إبراهيم، ومحمد، صلوات الله وسلامه عليهما، أما إبراهيم خليل الرحمن الأول، فإنه يأتي يوم القيامة فيرى أباه آزر قد أخذته الزبانية، فيقول: «أي رب، إنه أبي، وهل هناك أخزى من أن يؤخذ أبي الأبعد ويُلقى في النار وقد وعدتني في كتابك الكريم: (وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ {87} يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ {88} إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ) (الشعراء)».
قال: «يا إبراهيم، لا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة، انظر تحت قدميك»، فينظر إبراهيم، فإذا به يرى أباه آزر قد حوّله الله إلى ضبع ملطخ بالدماء، ثم يأمر الزبانية به إلى النار.
وأما محمد صلى الله عليه وسلم، فعمه الذي رباه وكفله ودافع عنه، وبذل ماله، ولما مات سموا العام عام الحزن، وقف على رأسه يقول: «يا عماه، قل: لا إله إلا الله، أشفع لك بها عند الله يوم القيامة»، قال: لا، بل أموت على دين عبدالمطلب، فمات مشركاً، فأنزل الله: (إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ) (القصص: 56).
إذن، كلنا دون إبراهيم، ومحمد، فالذي لم يحاب إبراهيم ومحمداً، لن يكون بيننا وبينه أبداً إلا الطاعة.. الطاعة، هي التي تنجي؛ «احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، وإذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن الله».
بعد هذا الحس العبادي الرائع الكبير، قمة في التوكل وإخلاص العبودية.
انظر إلى بقية الحديث: «واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لن ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعت على أن يضروك بشيء (ليس صدام ولا جيوشه ولا كل جيوش الأرض لن يستطيعوا أن يأخذوا شيئاً منك) لن يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رُفعت الأقلام وجفّت الصحف».
إذن، المنطلق: «احفظ الله يحفظك».
لا تنقضوا العهد مع الله
ثم، أيها الأحباب الكرام، أنقلكم إلى سورة في كتاب الله، لا نقف عند خصوص السبب وإنما إلى عموم المعنى، فالقرآن مطلق الزمان، مطلق المكان، مطلق البشر، صالح لكل زمان ومكان.
استمع القرآن وهو يتكلم عن هذه الحقيقة العجيبة وعقوبتها المعجلة في الدنيا قبل الآخرة؛ (وَمِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللّهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ) (التوبة: 75).
يا رب، نحن في أزمة، احتلال، نعاهدك إن أخرجتهم بليل كما دخلوا علينا بليل، فلك كذا.. وكذا.. وعلينا كذا.. وكذا.. لو عملنا إحصائية لها لا نستطيع إحصاءها من كثرتها، ويعلم الله من العباد ما لا يعلم العباد بعضهم عن بعض.
(وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ {75} فَلَمَّا آتَاهُم مِّن فَضْلِهِ بَخِلُواْ بِهِ وَتَوَلَّواْ وَّهُم مُّعْرِضُونَ) (التوبة)؛ جاءت الكلمة الخطيرة (وَّهُم مُّعْرِضُونَ)، العقاب في الدنيا؛ (فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُواْ اللّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ {77} أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ) (التوبة)؛ فكم من إنسان في جوف الليل وهو يتذكر والدته تحت الاحتلال، وبنته، وزوجته، وبيته، وأمواله، وهو في الخارج في جنيف ولا في سويسرا، وواضع وجهه على السجادة ساجداً لله ويدعو: يا رب.. يا رب.. رحماك.. سترتك.. عافيتك... يا رب تبت إليك، (أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللّهَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ) (التوبة: 78).
انظروا ماذا في السماوات والأرض
ثم هذه الكلمة، أحبابي في الله، تبين أن معظم العالم من البشر ومن الجن مُعْرضون عن ربهم، في كل لحظة وفي كل نسمة، وفي كل حركة، في الأرض، في السماء، أمام كل المخلوقات والآيات.
وإن من شيء إلا له فيه آية تدل على أنه الواحد سبحانه
فاستمع: (وَجَعَلْنَا السَّمَاء سَقْفاً مَّحْفُوظاً وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ) (الأنبياء: 32)، اسمع: (وَكَأَيِّن مِّن آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ) (يوسف: 105).
وعلاوة على هذا الإعراض لا يؤثر فيهم لا شروق ولا غروب ولا برق ولا بعد ولا غيم ولا مطر ولا شجر ولا بحر، والشاعر يقول:
انظر إلى تلك الشجرة
ذات الغصون النضرة
كيف نمت من حبة
وكيف صارت شجرة
وابحث وقل من ذا الذي
أوجد فيها الثمرة
ذاك هو الله الذي
أنعمه منهمرة
ذو حكمة بالغة
وقدرة مقتدرة
وانظر إلى الشمس التي جذوتها مستعرة
فيها ضياء وبها حرارة منتشرة
من ذا الذي أوجدها في الجو مثل الشررة
ذاك هو الله الذي أنعمه منهمرة
ذو حكمة بالغة وقدرة مقتدرة
وانظر إلى الليل وقل من شق فيه ثمرة
من ذا الذي زينه بأنجم مزدهرة
وانظر إلى المرء وقل
من شق فيه بصرة
من ذا الذي جهزه بقوة مبتكرة
ذاك هو الله الذين أنعمه منهمرة
ذو حكمة بالغة وقدرة مقتدرة
وانظر إلى البحر وقل من أوجد فيه درره
وانظر إلى البر وقل من أنزل فيه مطره
من ذا الذي سيره بعد اغبرار خضره
ذاك هو الله
برنا كان أخضر
واليوم صار أسود
من الذي يغير ولا يتغير؟
إنه الله.
وليته صار أسود دون ألغام أو متفجرات.
أحببت منذ يومين أن أذهب إلى خيران أجدد ذكرياتي هناك في مجالسي عند البحر وأنا أسبح الله، ما استطعت إلا أن أمشي على الإسفلت، حتى المسجد الجديد الذي بُني فيه الطريق إليه فيه ألغام عن اليمين والشمال، فالملائكة تحصي خطواتك، وأنت تحصي خطواتك حتى لا تدوس على لغم.
سبحانك اللهم وبحمدك، سبحان ربي العظيم، تبنا إلى الله، وندمنا على ما فعلنا.
اللهم عليك بالظالمين الذين آذونا في ديارنا، اللهم سلط عليهم بأسك الشديد الذي لا يرد عن القوم الظالمين.
اللهم إنا نستغفرك من ذنوبنا وخطايانا ومعاصينا يا رب العالمين.
اللهم من أرادنا وبلادنا والمسلمين بسوء فأشغله بنفسه، ومن كادنا فكده، واجعل تدبيره تدميره، احرسنا بعينك التي لا تنام، واحفظنا بركنك الذي لا يرام، وارحمنا بقدرتك علينا، ولا نهلك وأنت رجاؤنا يا أرحم الراحمين.
ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة.
الخطبة الثانية:
الحمد لله رب العالمين، عدد ما أحاط به علمه، وخط به قلمه، وأحصاه كتابه، وبلغ فيه لطفه، وأدركه بصره، وقهره ملكه، ووسعته رحمته، ورضيته نفسه، أهل الثناء والمجد، أحق ما قال العبد، وكلنا لك عبد، لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا قابض لما بسطت، ولا باسط لما قبضت، ولا خافض لما رفعت، ولا رافع لما خفضت، ولا مذل لمن تعز، ولا عز لمن تذل، لا إله غيرك، ولا رب سواك.
دعوناك فأجبتنا، استنصرنا بك فنصرتنا، نعم الرب، ونعم الإله في السفر وفي الحضر وفي الشدة وفي الرخاء، لا إله غيرك ولا رب سواك.
أحبتي في الله..
يقول الله تعالى: (وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون {41} قُلْ مَن يَكْلَؤُكُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ) (الأنبياء)؛ من يحميكم بالليل والنهار من الرحمن؛ (بَلْ هُمْ عَن ذِكْرِ رَبِّهِم مُّعْرِضُونَ) (الأنبياء: 42)، ويقول سبحانه: (وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُم بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَن ذِكْرِهِم مُّعْرِضُونَ) (المؤمنون: 71).
ويقول عن قضية الحكم: (وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللّهُ إِلَيْكَ) (المائدة: 49)، ويقول سبحانه: (وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِّنْهُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ) (النور: 47)؛ انظر للمتولي عن الله ينفي الله عنه الإيمان.
(وَمَا أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ {47} وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُم مُّعْرِضُونَ {48} وَإِن يَكُن لَّهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ {49} أَفِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَن يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ {50} إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (النور).
وإذا الشريعة في البلاد تعطلت قتل الشباب وهتك النسوان
وإذا الرجال عن الجهاد تخاذلوا نُزع الأمان وهُدّم العمران
كل الحقوق تضيع في أوطاننا إن لم يساند حقنا الرحمن
رسالة إلى المجاهدين الأفغان
وإذا الرجال عن الجهاد تخاذلوا نُزع الأمان.. وأنعى إلى الأمة اغتيال المجاهد جميل الرحمن رحمه الله، أحد المجاهدين العرب في الجبهات العربية في أفغانستان، يُغتال هذا الأسبوع؛ لكي يزرعوا والشقاق والنفاق بين العرب المجاهدين هناك، في مثل هذه الظروف العصيبة، ظروف الفتن والزلازل والمحن، تأتي أيد آثمة غادرة إلى مجاهد فتقتله.
وإذا الرجال عن الجهاد تخاذلوا نُزع الأمان
وصيتي هنا من منبر الدفاع عن الأقصى إلى المجاهدين في أفغانستان، أقول لهم: وحّدوا صفوفكم، ولا يقتل بعضكم بعضاً، وفوّتوا على المعتدين مكرهم وغدرهم، ولوذوا تحت لواء المحبة ووحدة الصف، وتماسكوا، واحذروا من أن تسيل دماؤكم بأيدي بعضكم بعضاً، والله منذ أن سال دم عثمان رضي الله عنه بأيدي المسلمين والدماء جارية إلى الآن وإلى يوم القيامة، ولزوال السماوات والأرض أهون عند الله من إهراق دم مسلم، وسيأتي الدور إذا أنتم اتبعتم عدوكم الشيطان والإشاعات والمغرضين والحماس المتهور، سيأتي الدور على القتلة أنفسهم؛ (مَن يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ) (النساء: 123).
أيها العرب المجاهدون في أفغانستان، علينا أن نعطي صورة طيبة عن العرب المجاهدين لإخواننا الأفغان، حتى لا يضيقوا بنا ذرعاً، ولا تتمزق الصفوف، وحّدوا رايتكم أمام عدوكم، ولا تعجبوا أن الله أخّر عنكم فتح كابل وجلال أباد، كيف يفتح الله كابل لمن يقتل أو يشهد أو يتآمر على المجاهدين أنفسهم؟
احذروا من دخول المنافقين فيما بينكم، وشددوا في شروطكم، وتثبتوا من كل شيء، فإن هناك من الغادرين ممن ترسلهم أنظمة الطواغيت لكي يمزقوا الصف ويقتلوا الجهاد، إلا الجهاد.. الكفار يخافون من الجهاد.
أيها الأحباب الكرام..
الذي أتحدث عنه أمر عظيم خطير، يقول الله عنه: (إِنَّمَا أَنَا مُنذِرٌ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ {65} رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ {66} قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ {67} أَنتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ) (ص).
وبسرعة خاطفة أنقلكم إلى تلك الحضارة التي سادت لما بادت لما أعرضت عن ربها؛ (وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ {80} وَآتَيْنَاهُمْ آيَاتِنَا فَكَانُواْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ {81} وَكَانُواْ يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتاً آمِنِينَ {82} فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ {83} فَمَا أَغْنَى عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ) (الحجر)، ويقول سبحانه: (وَمَا تَأْتِيهِم مِّنْ آيَةٍ مِّنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ {46} وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمْ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَن لَّوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ) (يس)؛ إنا لله وإنا إليه راجعون، يسخرون ويستهزئون!
وأخيراً، أحبتي في الله، الآخرة تقترب والقيامة تقترب، ومؤشراتها وأشراطها وساعاتها تظهر بين الحين والحين، وعلى قدر هذا الاقتراب يكون هذا الابتعاد والاغتراب، والاعتراض والإعراض عن الله.
(اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مَّعْرِضُونَ {1} مَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مَّن رَّبِّهِم مُّحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ {2} لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ) (الأنبياء)، إلى أن يقول سبحانه وتعالى: (ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ الْوَعْدَ فَأَنجَيْنَاهُمْ وَمَن نَّشَاء وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ {9} لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ) (الأنبياء).
ثم معظم البشرية يصرون على هذا الإعراض، يقول تعالى: (بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُم مُّعْرِضُونَ) (الأنبياء: 24).
اللهم أقبل بقلوبنا عليك، كما أدنيتنا بكتابك إليك، اللهم نسألك إيماناً ويقيناً ليس بعده كفر، ورحمة ننال بها شرف كرامتك في الدنيا والآخرة.
اللهم احفظنا بالإسلام قائمين، واحفظنا بالإسلام قاعدين، واحفظنا بالإسلام راقدين، ولا تشمت بنا الأعداء ولا الحاسدين، برحمتك يا أرحم الراحمين.
اللهم إنا نجعلك في نحور أعدائنا، ونعوذ بك من شرورهم، احرسنا بعينك التي لا تنام، واحفظنا بركنك الذي لا يرام، وارحمنا بقدرتك علينا، ولا نهلك وأنت رجاؤنا يا أرحم الراحمين.
اللهم من أرادنا والمسلمين بسوء فجمد الدماء في عروقه، وأخرجه مجنوناً يتلاعب به الصبيان.
اللهم أحص أعداءنا عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تغادر منهم أحداً.
اللهم انصر المجاهدين، اللهم حرر «الأقصى» وارزقنا فيه صلاة طيبة، برحمتك يا أرحم الراحمين.
اللهم عليك بيهود وأعوانهم، اللهم اجمع شتاتنا، اللهم وحّد أمرنا، اللهم ألّف بين قلوبنا، وأصلح أولادنا، وحجّب نساءنا، وطيّب مطعمنا، اللهم إنا نسألك العافية في أبداننا، وأسماعنا، وأبصارنا، اللهم إنا نعوذ بك من السحر والعين والمس والبرص والجنون والجذام وسيئ الأسقام، ونعوذ بك من الشقاق والنفاق وسيئ الأخلاق.
اللهم هذا الدعاء ومنك الإجابة، وهذا الجهد وعليك التكلان، ولا نهلك وأنت رجاؤنا يا الله.
ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.
عباد الله..
إن الله وملائكته يصلون على النبي، يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليماً.
إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم تذكرون.
اذكروا الله يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.