الخميس 09-أبريل-2026 - 21 شوّال ، 1447
إعلان من أمة الكفر
التعريف بالخطبة:
يتحدث الشيخ
أحمد القطان رحمه الله في هذه الخطبة بنبرة مشحونة بالعاطفة والحرقة على أحوال
المسلمين، حيث يربط بين مآسي الحاضر؛ كجرائم الروس في الشيشان، وسنن الله في الأمم
السابقة، محذراً من ذل التشرذم وداعياً لنهضة إيمانية تستلهم روح السيرة النبوية
ووحدة الصف.
عناصر الخطبة:
- عندما
تُسحل الكرامة تحت الصقيع
- ميراثُ
الغدر.. الروس وتاريخ الدماء
- أسود
«جروزني».. المعجزة التي أذهلت العسكرية
- أمة
في غيبوبة.. وإعلام شيطان أخرس!
- تيه
الأربعين.. هل نحن جيل الإبادة أم جيل التمكين؟
- الاندماج
الكلي.. كيف تحولت الصفرية إلى سيادة عالمية؟
- ميزانية
الجنة.. فلسفة الثبات في الدولة النبوية
المقدمة:
الحمد لله رب
العالمين، الحمد لله القوي العزيز، القوي المتين، العزيز الرحيم، وأشهد أن لا إله
إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بلغ الرسالة وأدى الأمانة
ونصح لهذه الأمة، وتركها على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك،
صلوات ربي وسلامه عليه.
أما بعد، أيها
الأحباب الكرام..
إني أحبكم في
الله، وأسأل الله أن يجمعني وإياكم في ظل عرشه ومستقر رحمته، وأوصيكم ونفسي بتقوى
الله؛ (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ
مَخْرَجاً {2} وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ) (الطلاق).
عندما تُسحل الكرامة تحت الصقيع
شاهدنا ما نشرته
مجلة «المجتمع» على غلافها هذا الأسبوع، تلك الصورة الآثمة؛ اثنان من المجاهدين
بلحاهم الإسلامية، قد جُرِّدوا من ثيابهم في درجة من الحرارة عشرين تحت الصفر،
وربطوا من أقدامهم بالأسلاك في مجنزرة، وسُحلوا وهم أحياء.
وهذه الصورة هي
نموذج عن حضارة روسيا في استقبالها للألفية الثالثة والقرن القادم؛ إعلان من أمة
الكفر لأمة محمد صلى الله عليه وسلم أن القرن القادم نبدأه بسحل كل من يقول: «لا
إله إلا الله»، ويريد تقرير المصير، ويمارس توحيده ودينه وعبادته لله رب العالمين؛
(وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ
إِلَّا أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ) (البروج: 8)،
جريمتهم أن يقولوا: «ربنا الله».
فكل من يرفع
راية الجهاد للدفاع عن نفسه، للدفاع عن أرضه، عن عرضه، عن دينه، عن ماله، عن
كيانه، يُسحل هكذا حياً أمام سمع وبصر العالم المتحضر، الذي يرفع شعار العولمة،
والذي ينصب الأطلسي شرطياً في العالم، يضرب بعصاه كل أمة تريد أن تخرج عن إطاره
ومظلته.
لكن هذا الشرطي
كان في سبات، ولعله هو الذي أوعز إلى الروس: لقد انتظرنا وصبرنا كثيراً، لكنكم لم
تحققوا شيئاً، قلتم أنكم ستقضون على الشيشان في يومين، ثم في أسبوعين، ثم في شهر،
فلم نرَ دباباتكم وصواريخكم وقذائفكم وجيوشكم الجرارة فعلت شيئاً، أخرجوا للعالم
صورة الإرهاب حتى يرهبكم الناس، فظهرت هذه الصورة لمسلمين على ظهريهما بلحاهم،
والدماء تنزف من تحتهما، ويُسحلان على الأرض من مواقع الأسر إلى مواقع الجيش.
الجيش الروسي
يقول بلسان حاله: لا إنسانية للإنسان عندي! والجيش الروسي، بكامل لباسه، يقول
للعالم ويقول للمنظمات والهيئات: «انظروا، إني لا أعبأ بكم ولا أحترمكم»، فلا
إنسانية للإنسان عندي، وهذا الشعار قديم، وليس بالشعار الجديد، فالصراع بين الحق
والباطل هي هذه الصورة، فمن الذي سحل حمزة سيد الشهداء عم النبي صلى الله عليه
وسلم؟ من الذي قطع أذنيه وعنفه وقطع أجهزته التناسلية وبقر بطنه وأخرج كبده؟ إنه
الكفر، هو الكفر، يتجدد في كل حين ويفعل بهذه الأمة.
ميراث الغدر.. الروس وتاريخ الدماء
لقد عانى
المسلمون على يد الروس في القرن والقوقاز ما لم تعانه أمة، ولا حتى على يد التتار،
ولا حتى على يد الصليبيين، لم يرَ التاريخ البشري الإنساني ما فعله الروس –على وجه
الخصوص– بالمسلمين أبداً، ما سمعنا في التاريخ أن شخصاً واحداً من الروس، اسمه ستالين،
قتل ستة ملايين مسلم إلا في هذه الأمة النجسة التعسة.
أجدادهم حوت على
تاريخ أسود؛ فالمؤسس لهذه الدولة اسمه فدريك، تزوج أخته، نعم تزوج أخته، وأنجب
منها ذرية، وأولاده حكموا تلك المنطقة! ثم رأى كنيسة آيا صوفيا وأعجب بها، فأخذ
يدخل في النصرانية ويظهر التدين، ثم بعد ذلك يشن أسلافه من بعده حملات تلو الحملات
على المسلمين، وإلى يومنا هذا الروس يذبحون المسلمين بطرق وحشية يخترعونها.
وكل من اقترب من
هذا المعسكر الوحشي صار مثله، ولهذا نحن لا نتعجب من الأساليب الوحشية التي
يرتكبها نظام العراق في دولة الكويت، أو دولة إيران خلال الحرب التي خاضها مع
الكويت وإيران؛ فكل الآلات والأجهزة التي تم العثور عليها في غرفات التعذيب، من
أين أخذها؟ ومن أين اقتبسها؟ من هؤلاء الروس، الذين أرسلوا خبراء التعذيب إليه،
وبينهم تبادل للخبراء في كل أنواع السموم وفن الإجرام ووحشية التعذيب التي لم يشهد
لها التاريخ مثيلاً، ولهذا رأينا الصرب ما فعلوه في البوسنة والهرسك، هو نفس
المنهاج والخطة التي نشؤوا عليها؛ (أَتَوَاصَوْا بِهِ ۚ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ) (الذاريات: 53)،
فطغيانهم وظلمهم المركب، وحقدهم الدفين على الإسلام والمسلمين، يجعلهم يفعلون هذا.
أسود «جروزني».. المعجزة التي أذهلت العسكرية
وانكسرت قلوب
المسلمين عندما شاهدوا جثتي المجاهدين تُسحلان على الأرض، وشاء الله أن يجبر
قلوبهم يوم أمس، يوم أن جاء الخبر أن قافلة ورتلاً من الدبابات حاول أن يدخل
جروزني عاصمة الشيشان، بعد قصف مستمر لم يترك لبنة على لبنة، وأشعل الحرائق في كل
مكان، وأصبح الناس يعيشون في هذا البرد القاتل تحت الركام وفي الحفر والجحور.
والمجاهدون
يبحثون عن غيران ومغارات في الجبال، تتحمل الجبال الدك المستمر، مرة أن يلتقي
الجندي داخل دبابته ومدرعته مع المجاهد الذي يمشي على قدميه يحمل بندقيته البسيطة،
التي تعتبر في زماننا هذا كالحربة أو السيف، أمام السلاح والتقنية الروسية التي
جاءت تزحف بمجنزراتها وحديدها وصريرها وقصفها ورميها براً وجواً.
وما إن توسط ذلك
الرتل في إحدى القرى المجاورة لجروزني حتى خرج أهل الإيمان والقرآن من تحت الأرض،
وهبطوا من فوق الجبال، وأحاطوا بهم من كل جانب، الروس يضربون بالدبابات والمجنزرات
والمدافع والرشاشات الثقيلة، وهؤلاء يضربون برشاشات بسيطة «كلاشنكوف» وأشباهها،
لكن رأينا العجائب وسمعنا الغرائب! حيث وكالات الأنباء كلها نقلت إلا روسيا أنكرت،
وقالت: إن القتلى من الروس يصل إلى مائة جندي، وقد فروا وتركوا المدرعات، وعادوا
مرة ثانية إلى تحصيناتهم، ولم يستطيعوا مواجهة الجنود والمجاهدين المسلمين على أرض
الشيشان، وأنجز الله وعده ونصر عبده وأعز جنده.
ومن صور العز
أنهم، إلى هذه الساعة، محاصرون بلا طعام ولا شراب ولا غذاء ولا غطاء ولا كساء ولا
دواء ولا أي شيء من مقومات الحياة، ثم يخرج الأبطال من تحت الأرض كالأسود الأشاوس
ويواجهون المدرعات الروسية ويهزمونها، أليست هذه آية؟! أليست هذه عجيبة وغريبة في
عالم العسكرية؟! أين التقارير التي تقول: إن هذه دول كبرى وإنها لا تُغلب وأنها لا
تُهزم؟! إذن، من الذي ولّى الأدبار يوم أمس؟! من الذي فرّ من داخل المجنزرة محروقاً؟!
من الذي رمى؟! (فَلَمْ
تَقْتُلُوهُمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ ۚ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ
وَلَٰكِنَّ اللَّهَ رَمَىٰ) (الأنفال: 17)، كيف تخترق الرصاصة المجردة
لكلاشنكوف دبابة ومدرعة حتى يفر قائدها؟ وضع عشرة أضعاف على الرقم الذي أُعلن،
فهناك تعتيم إعلامي لا ينقل الحقائق إلينا، ولا يعرف الحقائق في هذه القضية إلا
الله، ثم من يعيش هناك على تلك الأرض مع المجاهدين.
أمة في غيبوبة.. وإعلام شيطان أخرس!
أحبتي في الله..
وأمتنا –مع
الأسف– الميتة بهيئاتها ومنظماتها وحكامها ودولها وجيوشها، أقصى ما عملت بعد
انتظار طويل وصمت طويل هو بعض الاحتجاج وبعض الاستنكار؛ لأن القضية أصبحت الآن
مكشوفة ومفضوحة، وعار على جبين هذه الأمة، على الأقل إذاعة أو خبر أو خطيب أو إمام
يسكت عنه، لا يُؤمر، لا تقول له الدول: «تكلم، اخطب، احتج»، لا، ولكن يغضون بعضهم
الطرف عنه ويدعونه يتكلم، وهو على حذر وخوف ووجل من وزارات الأوقاف أن توقفه، حيث إنها
صارت للتوقيف –مع الأسف الشديد– في كثير من البلاد العربية، أما منظمة مؤتمر
العالم الإسلامي التي ذهبت لزيارة روسيا، فقد استنكرت، استنكرت وقالت: «إن هذا
الأمر يجب ألا يكون».
أيها الأحبة
الكرام..
إن ختام القرن
العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين ختام مأساوي لهذه الأمة، وبداية منكوسة،
ستتجرأ علينا الأمم عاجلاً أو آجلاً، إن لم يكن هناك تحرك، على الأقل –وأضعف
الإيمان– تحرك إعلامي، تغطية إعلامية صادقة، ناطقة بالصورة، هناك قضايا تافهة جداً
في العالم العربي والإسلامي تُعمل لها تغطيات إعلامية، فتُحيي قضيتها وتكسب الرأي
العام العالمي من خلال الإعلام، يوم أن عجزت الجيوش والآليات التي أُنفِق عليها
دماء الشعوب، على الأقل لا يعجز الإعلام، الإعلام كلام وصورة وخبر، أضعف الإيمان.
وحتى هذه
الساعة، الإعلام شيطان أخرس، لهذا نخشى من هذا الختام المشؤوم لهذه الأمة، ختام
القرن العشرين، وهي إبادة أمة كاملة اسمها أمة الشيشان، أن يُؤخذ هذا الأسلوب،
وتتجرأ علينا كل الأمم، فنتعرض كأننا في محميات إبادة، وما ندري ماذا أعد الله لنا
من سنن كونية.
تيهُ الأربعين.. هل نحن جيل الإبادة أم جيل التمكين؟
فلن نكون كأمة
أعز على الله من موسى وقومه، فالله جل جلاله عمل لهم من الكرامات والمعجزات ما لم
يفعل لهذه الأمة، والقرآن يشهد: أظلهم بالغمام، أينما يسيروا مظلة الغمام تحميهم
في الصحاري من لهب الشمس، شمسيته سحابة، وبإمكانها أن يلعب ويعبث حتى فيها، تتحرك
يميناً تتحرك معه، تتحرك شمالاً تتحرك معه، يجلس تقترب، يقف ترتفع، وأنزل المن
والسلوى، وشق البحر وهم ينظرون، ودمر فرعون، وقارون، وهامان، وجنودهما وهم
يشاهدون، ومحق أمة كاملة بجيوشها، وأعطاهم من الصخر اليابس اثنتي عشرة عيناً.
ثم ماذا فعل
بهم؟ بعد أن استمروا في التردي والانحدار، كتب عليهم الإبادة، لأن وجودهم وعدم
وجودهم واحد، ربّاهم فرعون على أنهم عبيد، مهما تحاول تغذيهم بأنهم أحرار، لهم
سيادة، لهم كيان، فرعون مات، جيشه سُحق، أُغرق انتهى، وما طلعوا من دائرة الخوف
ولا دائرة الذل، فإذاً لا خير فيهم، ولا بد من القضاء عليهم كأمة! فتركهم في صحراء
سيناء أربعين سنة، حتى أباد الله الجيل الذليل الخانع، الذي صار شعاره «فاذهب أنت
وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون»، «لن ندخلها ما داموا فيها»، «إن يخرجوا منها فإنا
داخلون».
أمة جبانة،
رعديدة، تستهزئ بالله، وتستهزئ برسوله، تعبد عجلاً، وتشرب في قلوبها العجل، يدورون
في حلقة مفرغة في الصحراء، وعانى موسى معهم ما عانى، يقول عنه النبي صلى الله عليه
وسلم: «رحم الله أخي موسى، فقد أوذي بأكثر من هذا فصبر» (صحيح البخاري، 3405)، حتى
صارت هذه الأمة التائهة في البراري والصحاري الضائعة، التي ينتظر موسى أن تبيد
وتنتهي، ويطلع جيل بري نظيف طاهر نقي، يعشق الغبار، ويعشق الخنادق، ويتعلم على شرف
العيش، ما يقص رأسه أو يحس الرأس مثل «المرنز» ولا مثل «الجنز» لاصق على جسمه،
وتعكف وتعوه، ولا بنات يركبون دراجات نارية، جيل خشن، ظل معهم أربعين سنة يدور
وإياهم عليه السلام.
أتدرون ماذا كان
همهم؟ على الأقل لو كان همهم أكلاً وشرباً والبحث عن المخرج من هذه الصحراء، ويا
صحراء مفتوحة! لكنْ خلاص، ضرب الله عليهم الطوق والحصار، صار همهم: موسى، موسى خصي
أو غير خصي! هذه الموضوعات التي يناقشونها، شوف الملاعين! وصار فريقان يتحدون: كيف
نكتشف إنه خصي ولا هو خصي؟ تعالوا ننتظر حتى يسبح في البحيرة، في نقعة الماء في
الوادي، حتى نكتشف. وشكّلوا فريقين يلبدون وراء الصخور، حتى إذا ما ذهب موسى،
النبي الوجيه، كليم الله، من أولي العزم، يغتسل لكي يصلي ويتعبد، ينظرون عليه من
وراء الصخور! الله أكبر! شوف الأمة كيف تتردى وتنحط إلى هذه الدرجة! فقضى الله
عليها، وأخرج جيلاً جديداً نقياً مجاهداً، فتح الله به الأرض المقدسة.
أمتنا اليوم
أصبحت بأحاسيسها وشعورها -إلا من رحم الله- كهذه الأمة، ثم ماذا ننتظر؟ الإبادة!
لا نتعجب أن سلّط الله علينا أعداءنا، يسوموننا سوء العذاب، لا توجد أمة على وجه
الأرض بيدها كل وسائل الحياة والحضارة والنهضة -النهوض في بلادنا، وليس في بلاد
الكافرين- الحديد، اليورانيوم، الأخشاب، المياه، الأنهار، الجبال، كل معطيات
الحضارة والرقي والتقدم موجودة عندنا، ومع هذا أمة مستهلكة، خانعة، ذليلة، يتحكم
أعداؤنا حتى بكسرة الخبز التي نأكلها، والسبب؟ لأننا تركنا الله، وهجرناه،
واستهزأنا برسول الله صلى الله عليه وسلم وبالقرآن الكريم، ونتفنن في شهور العبادة
في تحقير هذا الشهر، في كثير من البلاد هناك من البلاد الإسلامية يدخل رمضان ويخرج
ما يعرفونه، العرق والخمر يشربون في الشوارع، والخمارات مفتوحة في الليل والنهار!
كيف ينصر هذه الأمة؟ ما ينصرها! وأخشى أن تتعرض إلى إبادة رهيبة جدًا على مستوى
أمم، يأتي قتلة أمم، وليس قتلة أفراد.
الاندماج الكلي.. كيف تحولت «الصفرية» إلى سيادة عالمية؟
أيها الأحبة..
أعود إلى الجيل
المسلم الذي بين أيديكم؛ لا تأذنوا لطفل ولا لامرأة ولا لشابة ولا لشاب أن يتأثر
بأعدائه، فيُمسخ كما مُسخت أمة اليهود قردة وخنازير وعبدة الطاغوت، وعودوا بهم مرة
ثانية إلى كتاب الله، أنعشوا قلوبهم بالجهاد، وحركوا الإيمان في قلوبهم، وثبتوهم
على الدين، وراقبوهم وتابعوهم، لا تدعوهم يقلدوا الأمريكيين ولا الأوروبيين ولا
أعداء الدين، وإنما اجعلوا قدوتهم محمداً صلى الله عليه وسلم وأصحابه، لعل يظهر من
بين هذا الجيل من يقود هذه الأمة من جديد.
اللهم إنا نسألك
-يا أرحم الراحمين- أن تبعث الجهاد في قلوب هذه الأمة، وأن تنجيها من كيد أعدائها،
من أرادنا بسوء فأشغله بنفسه، ومن كادنا فكده، اللهم اجعل تدبيره تدميره، احرسنا
بعينك التي لا تنام، واحفظنا بركنك الذي لا يُرام، وارحمنا بقدرتك علينا، ولا نهلك
وأنت رجاؤنا يا أرحم الراحمين.
اللهم استنقذنا
من أعدائنا، اللهم استنقذنا من أعدائنا، اللهم اجعل لأمتنا أمر رشدٍ يُعز فيه
وليك، ويُذل فيه عدوك، ويُعمل فيه بطاعتك ورضاك، اللهم نسألك لأمتنا قائداً ربانياً
يسمع كلام الله ويسمعها، وينقاد إلى الله، ويقودها ويحكم بكتاب الله، وتحرصه.
أقول قولي هذا،
وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه.
الخطبة الثانية:
الحمد لله رب
العالمين، والصلاة والسلام على محمد النبي الرسول الأمين، خاتم المرسلين، وحبيب رب
العالمين، وارض اللهم عن الصحابة أجمعين، القادة السادة الذين فتحوا البلاد وقلوب
العباد.
أما بعد، أيها
الأحبة الكرام، فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يعطينا طريق النصر والتمكين،
إنه الاندماج الكلي كأمة؛ أسس أصحابه في مكة المكرمة على العقيدة، وهاجرهم إلى
الحبشة، ثم هاجرهم إلى يثرب، فصارت بهجرتهم المدينة –بأل التعريف– المنورة، ثم
اندمج الشعب التجاري، صاحب المركز الديني المكي، مع الشعب الزراعي في المدينة
المنورة، ثم جاء بعد ذلك الشعب القروي والرعوي، وصارت القبائل والعشائر في الجزيرة
العربية، على اختلاف مصادر أرزاقها، أمة واحدة، شعارها: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) (الحجرات: 10)،
فبالإيمان والأخوة في الله انحلت كل الأزمات.
ميزانية الجنة.. فلسفة الثبات في الدولة النبوية
لقد كانت
ميزانية الرسول صلى الله عليه وسلم، وهو يؤسس الدولة، صفراً؛ لا يملك هو درهماً
واحداً حتى يشتري قوت يومه، يعيش على التمر هو وأهل بيته شهرين كاملين، لا توقد
النار، وليس له راتب، وليس له ميزانية، وأصحابه خرجوا حفاة بثيابهم، تركوا كل شيء
وراءهم، وأهل المدينة شاطروهم أموالهم، وزرعوا عنهم، وباعوا الثمار، وقاسموهم
الأموال، ثم تنافس الأثرياء في شراء الجنة، كعثمان، وعبدالرحمن بن عوف، وطلحة بن
عبيد الله، وأمثالهم، فنهضت الدولة بأمثال هؤلاء الرجال.
وجاءت جيوش
الرعب تزحف من كل مكان، فهم العرب، نزل القرآن بكلامهم، أهل الفروسية والبطولة،
أهل القتال، فالتقوا بهذا الاندماج الكلي، فصاروا أمة واحدة، فعجز اليهود الملاعين
من قينقاع والنضير وخيبر وقريظة، على كثرة أعدادهم المتفوقة على المسلمين، وكثرة
أموالهم الربوية، ومصانع السلاح التي بأيديهم، وأخصب مواقع الزراعة، وأشد
التحصينات، وملكها بشر في الجزيرة العربية، قلاع ضخمة هائلة، وأحدث الأسلحة
المكتسبة من الرومان ومن الفرس، عندهم في قلاعهم من راجمات، ومن قاذفات، ومنجنيق،
إلى آخره.
ومع هذا، استطاع
الرسول صلى الله عليه وسلم، بالاندماج الأخوي الكلي، وبالتفادي بين المسلمين، أن
المهاجري يفدي الأنصاري، والأنصاري يضحي بنفسه أمام المهاجري، وصاروا أمة واحدة،
يقول الله عنها: (وَاذْكُرُوا
نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ
فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىٰ شَفَا حفرة مِّنَ
النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ
لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) (آل عمران: 103).
وحقق الانتصارات
الهائلة، التي حتى هذه اللحظة اليهود قلوبهم تحرق وتطحن منها، لما دخلوا القدس عام
67، رأينا الشعار الذي يردده الجنود فاجأ الأمة مفاجأة عجيبة: «محمد مات، مات
محمد، خلف بنات، يا لخيبر يا لخيبر يا لخيبر»؛ معنى هذا أن اليهود تأسسوا عقائدياً
دينياً تاريخياً، وتأسسنا نحن في ذلك التاريخ –تاريخ الهزيمة– على سهرات أم كلثوم،
من الثانية عشرة إلى السادسة صباحاً: «هل رأى الحب سُكارى مثلنا؟».
أيها الأحبة
الكرام..
إن لم نعد إلى
الاندماج الكلي كأمة، ونتنازل عن هذا التشرذم؛ تشرذم على متر حدود، تشرذم على نفط،
تشرذم على مصلحة، تشرذم على سياسة، تشرذم على فكرة، التمزق، فإن الأمم ستأكلنا
وتبلعنا، وسيصير مصيرنا كالهنود الحمر، أو غابات أفريقيا كقبائل «السمواي» وغيرها،
ونصبح في العالم مجرد آثار يزورنا السياح، ولا يعبأ الله ولا يبالي بأمة، لأن الله
أعد البدائل، فالله قد جهز لإله غيره الأمم.
أحبتي في الله..
عودة من جديد
إلى كتاب الله وسُنة رسوله، ولا نتنازل عن حرف واحد، ونربي أنفسنا وأبناءنا
وبناتنا على دين الله، واسمحوا لي إن أطلت في هذه الخطبة، فنحن في رمضان، ما عندنا
غداء ولا عندنا شيء، لازم نؤصل هذا المعنى، واليوم العالم كقرية واحدة، فالمذبوح
في الشيشان كالمذبوح في الكويت، والذابح واحد، ولو كان ذاك روسياً وهذا عراقياً،
بعثياً من بعد النار، إذن الآن ليس هناك مهرب بحيث إن الإنسان يذهب بعيداً فينجو،
لا، لهذا لا نجاة إلا في هذا الدين: «تَرَكْتُكُمْ عَلَى الْمَحَجَّةِ
الْبَيْضَاءِ لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا، لا يَزِيغُ عَنْهَا بَعْدِي إِلا هَالِكٌ» (سنن
ابن ماجه، 43)، ما فيها ليل، كلها نهار، لا يزيغ عنها إلا هالك.
دعاء الختام:
اللهم إنا نسألك
نصرك المؤزر المبين لجندك وأوليائك المجاهدين في كل مكان، اللهم أرنا في الروس
والهندوس واليهود وأوليائهم عجائب قدرتك، اللهم انصر جندك وأولياءك –يا أرحم
الراحمين– في شهر الانتصارات، اللهم انصرهم ومكن لهم، وسدد رميهم –يا رب العالمين–
اللهم إنهم حفاة فاحملهم، عراة فاكسهم، جياع فأطعمهم، عالة فأغنهم، اللهم اجمع
شتاتهم، وصن أعراضهم، واحقن دماءهم، وأمّن روعاتهم، وأمن عيونهم، واجبر كسرهم، وفك
أسرهم، وارم عنهم، واقتل عنهم – يا رب العالمين.
اللهم إنا نسألك
أن تنصرنا ولا تنصر علينا، وأن تمكر لنا ولا تمكر علينا، واهدنا ويسر الهدى لنا،
وانصرنا على من بغى علينا، اللهم ألف على الخير قلوبنا، وأصلح ذات بيننا، واهدنا
سبل السلام، ونجنا من الظلمات إلى النور برحمتك –يا أرحم الراحمين– اللهم فك قيد
أسرانا يا رب العالمين.
عباد الله..
إن الله
وملائكته يصلون على النبي، يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليماً.
إن الله يأمر
بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم
تذكرون.
اذكروا الله
يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.